أوربا الضائعة.. البحث عن هوية

أوربا الضائعة.. البحث عن هوية
منذ قرون عديدة والمحاولات الأوربية لا تتوقف سعيًا نحو تعريف ما هي أوربا بالتحديد، وكيف يرى الأوربيون أنفسهم، كانت المحاولات الأولى ساذجة بالضرورة حين حاول الأوربيون توفيق الصفات التي يرونها مشتركة بين جميع شعوب هذه القارة، مما ذهب بهم إلى عصور سحيقة حيث ينسبون الإرث الأوربي إلى الحضارات العتيقة، وبقيت هذه الصورة التاريخية جذابة ومنطقية إلى حد ما، لكن لا توجد أي صفات واقعية وحديثة يمكنها أن تشمل جميع شعوب القارة، فبعيدًا عن إرث روما وأثينا، لا يجتمع هؤلاء الناس على لغة أو ذاكرة مشتركة، ورغم الأحداث الكثيرة التي مرت بها هذه الشعوب فلا زالت ذاكرتها عنها مختلفة للغاية، فنابليون إلى اليوم يُنادى كبطل وكغازٍ أيضًا، وجميع الأعمال الإنسانية الكبرى التي تُدعى بالأوربية انتمت إلى هوية إنسانية عالمية بالقدر نفسه، فهل يمكننا تصنيف الرواية الأدبية على أنها أوربية، وننزع الإسهامات الروسية واللاتينية من جذورها؟
تضج تلك الهوية الأوربية بالتناقضات، وما يجعلها على هذا القدر من الهشاشة هو موقع تلك القارة وامتدادها في التاريخ، إن تلك السمات التي يلاحظها المفكرون في الهوية الأوربية موجودة بالفعل، لكن تجاورها نقائضها بالقدر نفسه، إن الحرية والمساواة تتجاور في التاريخ الأوربي مع العبودية والطغيان، وعصر النهضة لا يقل أثره عن حقب الحروب الدينية ومحاكم التفتيش، وفي عالم اليوم تعلو الأصوات التي تطالب أوربا بالاعتذار عن ماضيها وجرائمها على أصوات الثناء والحمد لمنجزاتها الرفيعة، لكن ألا يمكن أن تكون تلك الهوية الهشة والمتعددة هي السمة الفريدة للهوية الأوربية؟
في القرن الخامس عشر كانت السفن الصينية تشق البحار إلى إفريقيا وحول آسيا، وفي الوقت نفسه كان كولومبوس لا يزال يجوب قصور حكام أوربا باحثًا عن ملك يمول رحلته الاستكشافية، رفض ملك البرتغال وكذلك فعل ملوك إنجلترا وفرنسا، لكن وجد كولومبوس بغيته في قشتالة، وبعدها بدأ عصر أوربي لم ينته إلى اليوم، وبوسعنا أن نتصور لو كانت أوربا موحدة تحت راية واحدة، ماذا سيكون مصير رحلة كولومبوس؟ لا حاجة إلى إجهاد ذاكرتنا، ففي الصين بعد تلك الرحلات الرائدة، صعد تيار آخر إلى السلطة المركزية وأوقف جميع تلك الرحلات وأحرق سجلاتها التاريخية، يبدو أن الوحدة ليست جيدة على الدوام.
الفكرة من كتاب الخوف من البرابرة: ما وراء صدام الحضارات
بعد الحرب العالمية الثانية، لم يبقَ العالم على صورته الأولى، فبعد أن كان الصراع واضحًا بين الدول التوسعية والديمقراطيات الغربية، تحول هذا الصراع إلى حرب باردة امتدت نصف قرن بين الاتحاد السوفيتي والعالم الحر، وبدا أن العالم سيستمر على هذه الصورة طويلًا، لكن في نهاية القرن ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، عاد الأمل من جديد إلى المراقبين في عالم خالٍ من الصراع وشاخص إلى المستقبل.
لم تستمر هذه الأحلام لمدة طويلة، فبعيدًا عن طرفي النزاع، كان هناك طرف آخر لم يجد محل قدم في العالم الجديد، فقد دخلت دول العالم الثالث إلى القرن الحادي والعشرين، وشعوبها تتنازعهم مشاعر الحقد على دول الغرب التي سلبتهم كل شيء وأخضعت بلدانهم، وفي ظل عصر تكنولوجي غير مسبوق، أصبح بوسع كل فرد أن ينتقم لنفسه وأن يؤلم العدو، فلم تعد الحروب مقصورة على الجيوش، وأصبح العالم على شفا صراعات جديدة في كل بقعة من أراضيه.
مؤلف كتاب الخوف من البرابرة: ما وراء صدام الحضارات
تزفيتان تودوروف: فيلسوف فرنسي بلغاري، ومؤرخ وباحث، ولد في بلغاريا عام 1939م، يتولى منصب مدير أبحاث بمرتبة الشرف في «المركز الوطني للبحوث العلمية»، ورغم تخصصه الأدبي، انصب اهتمامه على الأحداث المفصلية في التاريخ وقدم تفسيرات مختلفة لأسباب الحروب في عالمنا، عمل تودروف أستاذًا زائرًا في عدد من الجماعات، مثل هارفارد وكولومبيا، كما حصل على العديد من الجوائز أبرزها جائزة الأكاديمية الفرنسية، ومن أبرز مؤلفاته:
الأدب في خطر
الأمل والذاكرة: خلاصة القرن العشرين
عن المترجم:
جان ماجد جبور: كاتب وباحث ومترجم، حصل على الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة السوربون في فرنسا، كما عمل أستاذًا في الجامعة اللبنانية بقسم اللغة الفرنسية
ومن أبرز مؤلفاته:
الشرق في مرآة الرسم الفرنسي.
النظرة إلى الآخر في الخطاب الغربي.





