حروب كونية وهوية حتمية

حروب كونية وهوية حتمية
يضج العالم بثقافات لا تحصى، ومنذ القدم يُحذر الجميع من الحرب النهائية التي سيفني فيها هذه الثقافات الكبرى بعضها بعضًا، ورغم تأخر تحقق ذلك التنبؤ فلا تزال تلك الرؤية البسيطة للعالم تجذب الكثير من المعجبين، وفي السنوات الأخيرة قاد هنتنجتون وكتابه “صدام الحضارات” هذه النظرية وأعاد إليها زخمها من جديد، ويتعامل هنتنجتون Samuel P. Huntington كأن بالإمكان النفاذ إلى جوهر كل ثقافة، فهو يقسم العالم إلى عدة محاور متصارعة متجاهلًا أن هذه الثقافات قد تجاورت وامتزجت فيما مضى، فأصول المسيحية التي يضعها هنتنغتون جوهرًا للثقافة الغربية هي جذور شرق أوسطية.
لم تحدث قط حرب تتصارع فيها حضارات العالم الكبرى، فعلى غير الشائع لم تكن الأديان المحرك الرئيس للحروب بين الأمم، فالإمبراطوريات تتحارب سعيًا للنفوذ والمكاسب، لكن الحرارة الدينية هي التي تشحذ همة الجند وتخرج الناس للحرب، فبينما كان جنود الحروب الصليبية ملهوفين لدخول المدينة المقدسة، كانت عيون ملوك أوربا متجهة إلى كنوز الشرق الأسطورية.
ومن ثم فإن الهويات والأديان ليست خطرة في ذاتها، ولكنها تصبح خطرة للغاية في أوقات الحروب، ولكن إذا لم تكن تلك الهويات والأديان المتعددة سببَ النزاعات، فلماذا لا تغيب النزاعات عن عالمنا أبدًا؟
ليس تعدد الهويات السببَ في ركون الإنسان إلى الصراع، لكن غياب الهوية بلا شك محرك أساسي للعنف، إن تلك الأقليات المنتشرة في العالم حين لا تحظى بفرصتها للاندماج في مجتمعاتها الجديدة ولا يمكنها العودة إلى الوطن، تصبح جميع الخيارات المتاحة محفوفة بالإذلال والتهميش، فأولئك الأطفال الذين تربوا في أزقة المدن وتسمروا طويلًا أمام المحال التجارية دون أي أمل في الحصول على مبتغاهم، لن يكون الدمار بالنسبة إليهم شيئًا جديدًا، وتلك الصورة المثالية التي تعرضها الشاشات وعالم الأحلام الذي يبشر به العصر الحديث، لا يمت بأي صلة للواقع الذي يقهر بوطأته ضعفاء العالم، فيدفعهم إلى تحطيم هذا الواقع، وليس للهوية أو الانتماء الأصلي دور في هذا العنف، ولكن من الأسهل إدانة هويتهم وانتمائهم لإثبات ما يدور في أذهاننا عن هويتهم العنيفة التي لا يمكنهم الفكاك منها، بدلًا من البحث الجاد عن أسبابهم ودوافعهم.
الفكرة من كتاب الخوف من البرابرة: ما وراء صدام الحضارات
بعد الحرب العالمية الثانية، لم يبقَ العالم على صورته الأولى، فبعد أن كان الصراع واضحًا بين الدول التوسعية والديمقراطيات الغربية، تحول هذا الصراع إلى حرب باردة امتدت نصف قرن بين الاتحاد السوفيتي والعالم الحر، وبدا أن العالم سيستمر على هذه الصورة طويلًا، لكن في نهاية القرن ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، عاد الأمل من جديد إلى المراقبين في عالم خالٍ من الصراع وشاخص إلى المستقبل.
لم تستمر هذه الأحلام لمدة طويلة، فبعيدًا عن طرفي النزاع، كان هناك طرف آخر لم يجد محل قدم في العالم الجديد، فقد دخلت دول العالم الثالث إلى القرن الحادي والعشرين، وشعوبها تتنازعهم مشاعر الحقد على دول الغرب التي سلبتهم كل شيء وأخضعت بلدانهم، وفي ظل عصر تكنولوجي غير مسبوق، أصبح بوسع كل فرد أن ينتقم لنفسه وأن يؤلم العدو، فلم تعد الحروب مقصورة على الجيوش، وأصبح العالم على شفا صراعات جديدة في كل بقعة من أراضيه.
مؤلف كتاب الخوف من البرابرة: ما وراء صدام الحضارات
تزفيتان تودوروف: فيلسوف فرنسي بلغاري، ومؤرخ وباحث، ولد في بلغاريا عام 1939م، يتولى منصب مدير أبحاث بمرتبة الشرف في «المركز الوطني للبحوث العلمية»، ورغم تخصصه الأدبي، انصب اهتمامه على الأحداث المفصلية في التاريخ وقدم تفسيرات مختلفة لأسباب الحروب في عالمنا، عمل تودروف أستاذًا زائرًا في عدد من الجماعات، مثل هارفارد وكولومبيا، كما حصل على العديد من الجوائز أبرزها جائزة الأكاديمية الفرنسية، ومن أبرز مؤلفاته:
الأدب في خطر
الأمل والذاكرة: خلاصة القرن العشرين
عن المترجم:
جان ماجد جبور: كاتب وباحث ومترجم، حصل على الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة السوربون في فرنسا، كما عمل أستاذًا في الجامعة اللبنانية بقسم اللغة الفرنسية
ومن أبرز مؤلفاته:
الشرق في مرآة الرسم الفرنسي.
النظرة إلى الآخر في الخطاب الغربي.


