طيف الهويات.. النبوءة التي تحقق نفسها

طيف الهويات.. النبوءة التي تحقق نفسها
لا يحظى الطفل في هذا العالم منذ لحظاته الأولى بأي أوقات بريئة، فمع أحضان الطبيعة وأشعة الشمس التي تستقبله، تصل إلى أذنيه نغمات لغة ما، ستظل تتردد على ذهنه في مقبل الأعوام، وعلى البراءة التي تتشح بها هذه اللحظات، تحمل تلك الكلمات والأنغام نظرة خاصة عن العالم، فاللغة ترسم واقعًا خاصًّا يتواتر عبر الأجيال، ثم تأتي محطة أخرى على هذا الدرب حين يحاول الطفل تسمية الأشياء والتحدث إلى أفراد جماعته، فيَجِد الطفل مجموعة من الألعاب والأغاني مُعدة منذ سالف الأزمان تعاقب عليها والده وأجداده، وجاء دوره لينشئ هذا الجزء من عالمه الخاص، سيتجاوز الطفل هذه المرحلة سريعًا، لكنها ستظل دافئة عفوية مُشكِّلة جزءًا هامًّا من هويته، ما إن يخطو هذا الطفل خارج عتبات المنزل، إلى المدرسة مثلًا، حتى تترامى على رأسه أسماء وأحداث تُشكل الذاكرة الجماعية لهذا المجتمع الذي سينخرط به هذا الفتى، وقد أصبح عليه الآن أن يضيف جزءًا جديدًا إلى هويته، ومع كل خطوة جديدة في العالم، تتسع تلك الدوائر وتتراكم الهويات، فيصبح هذا الرجل الفريد في هوياته وانتماءاته نقطة جامعة أخرى.
ولا تختلف الثقافة والهوية الجماعية في نشأتها عن تلك الخطوات المتراكمة التي يخطوها الإنسان في رحاب العالم، لكن الفارق الأساسي في ما يتعلق بالثقافة والهوية الجماعية أن الطفل يجد تلك الثقافة جاهزة بالفعل كي يندمج فيها ويتشارك ذاكرة قومه، ومن خلال المنتجات والآثار الثقافية، تتحدث إلينا تلك الجماعة وتخبرنا رؤيتها لنفسها وللعالم، ربما لا تكون تلك الصورة كما هي في الواقع، لكن خيال أولئك الأفراد هو ما سيشكل العالم كما يرونه.
وتستمد الثقافة الجماعية قوتها الخلاقة من ضرورتها بالنسبة إلى البشر، فدون ثقافة لا نعود بشرًا بشكل كامل، فحياة الإنسان لا تتوقف عند جانبها المادي فقط، بل تمتد إلى نهم من نوع آخر، حين يريد الفرد أن يشعر بوجوده، ولن يكتمل هذا الشعور سوى بانخراطه في مجتمع معين حيث يستطيع أن يشارك ويشعر بالانتماء، وهنا تصبح الثقافة مفتاحه ورسوله إلى قومه.
الفكرة من كتاب الخوف من البرابرة: ما وراء صدام الحضارات
بعد الحرب العالمية الثانية، لم يبقَ العالم على صورته الأولى، فبعد أن كان الصراع واضحًا بين الدول التوسعية والديمقراطيات الغربية، تحول هذا الصراع إلى حرب باردة امتدت نصف قرن بين الاتحاد السوفيتي والعالم الحر، وبدا أن العالم سيستمر على هذه الصورة طويلًا، لكن في نهاية القرن ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، عاد الأمل من جديد إلى المراقبين في عالم خالٍ من الصراع وشاخص إلى المستقبل.
لم تستمر هذه الأحلام لمدة طويلة، فبعيدًا عن طرفي النزاع، كان هناك طرف آخر لم يجد محل قدم في العالم الجديد، فقد دخلت دول العالم الثالث إلى القرن الحادي والعشرين، وشعوبها تتنازعهم مشاعر الحقد على دول الغرب التي سلبتهم كل شيء وأخضعت بلدانهم، وفي ظل عصر تكنولوجي غير مسبوق، أصبح بوسع كل فرد أن ينتقم لنفسه وأن يؤلم العدو، فلم تعد الحروب مقصورة على الجيوش، وأصبح العالم على شفا صراعات جديدة في كل بقعة من أراضيه.
مؤلف كتاب الخوف من البرابرة: ما وراء صدام الحضارات
تزفيتان تودوروف: فيلسوف فرنسي بلغاري، ومؤرخ وباحث، ولد في بلغاريا عام 1939م، يتولى منصب مدير أبحاث بمرتبة الشرف في «المركز الوطني للبحوث العلمية»، ورغم تخصصه الأدبي، انصب اهتمامه على الأحداث المفصلية في التاريخ وقدم تفسيرات مختلفة لأسباب الحروب في عالمنا، عمل تودروف أستاذًا زائرًا في عدد من الجماعات، مثل هارفارد وكولومبيا، كما حصل على العديد من الجوائز أبرزها جائزة الأكاديمية الفرنسية، ومن أبرز مؤلفاته:
الأدب في خطر
الأمل والذاكرة: خلاصة القرن العشرين
عن المترجم:
جان ماجد جبور: كاتب وباحث ومترجم، حصل على الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة السوربون في فرنسا، كما عمل أستاذًا في الجامعة اللبنانية بقسم اللغة الفرنسية
ومن أبرز مؤلفاته:
الشرق في مرآة الرسم الفرنسي.
النظرة إلى الآخر في الخطاب الغربي.





