البربرية والحضارة.. مزيج من الفهم وسوء الفهم

البربرية والحضارة.. مزيج من الفهم وسوء الفهم
منذ القدم نزع البشر إلى النظر إلى أنفسهم بطريقة تميزهم من جيرانهم، كانت تلك الجماعات المنعزلة تنظر إلى قيمها وعاداتها نظرة ما ينبغي أن يتحلى به جميع البشر، أما أولئك الآخرون الذين لا يتحدثون لغتهم أو يشاركونهم العادات لا شك في كونهم برابرة، رسم ذلك الوصف دائرة أحاطت بذلك المجتمع وأخرجت جميع من سواه عن دائرة الإنسانية، وكانت اللغة هي الفاصل الذي يحدد المنتمي إلى هذه الدائرة، وكانت الفكرة التالية التي تواتر عليها المفكرون هي نسبية الحضارة والقيم، لا شيء بوسعه أن يكون جامعًا بين بني الإنسان، وبناءً على ذلك علينا التسامح مع كل ما تهبه لنا قريحة البشر، ولا شك في أن العدمية التامة تنتظرنا في نهاية هذا الطريق، وسيظل هذا النزاع متجددًا مع كل عصر جديد تبدؤه البشرية، لكن لحسن الحظ أن هذين المفهومين “البربرية” و”الحضارة” ظلا على قدر من التشابك يتيح لنا أن نسأل من جديد عن معانيهما بالضبط.
يظهر النمط جليًّا عندما نتتبع هذا المفهوم، لقد ارتبطت “البربرية” دومًا بأولئك الذين حاولوا رسم حدود للإنسانية وقذف البقية خارجها، بينما ارتبطت “الحضارة” على الدوام بمناطق الاتصال والقيم العليا التي تجمع البشر كافة، فلفظ البرابرة لا يظهر إلا مع رغبة في التسلط، متخفية تحت غطاء النضال من أجل العدالة وتنوير النوع الإنساني، ومن ثم فإن البرابرة هم أولئك الذين يتحرقون شوقًا لطرد الآخرين ونفي إنسانيتهم، والحضارة هي القدرة على الإقرار بإنسانية الآخرين وتوسيع دائرة الانتماء.
إذًا فانتماء ثقافة أو فعل ما للحضارة أو البربرية لا يتعلق بالمنجزات المادية أو التقنيات التي أنتجتها تلك الثقافة، بل بالأحرى تكون تلك المنجزات المادية أقرب إلى البربرية منها إلى سمة الحضارة، فبينما توصف الأفعال التي تصف العلاقات الإنسانية بأنها حضارية، فتلك التقنيات لا تستمد قيمتها إلا من نفعيتها وماديتها، أي إنها لا تهتم أبدًا بالصفة الأخلاقية التي ترتكز عليها الحضارة.
الفكرة من كتاب الخوف من البرابرة: ما وراء صدام الحضارات
بعد الحرب العالمية الثانية، لم يبقَ العالم على صورته الأولى، فبعد أن كان الصراع واضحًا بين الدول التوسعية والديمقراطيات الغربية، تحول هذا الصراع إلى حرب باردة امتدت نصف قرن بين الاتحاد السوفيتي والعالم الحر، وبدا أن العالم سيستمر على هذه الصورة طويلًا، لكن في نهاية القرن ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، عاد الأمل من جديد إلى المراقبين في عالم خالٍ من الصراع وشاخص إلى المستقبل.
لم تستمر هذه الأحلام لمدة طويلة، فبعيدًا عن طرفي النزاع، كان هناك طرف آخر لم يجد محل قدم في العالم الجديد، فقد دخلت دول العالم الثالث إلى القرن الحادي والعشرين، وشعوبها تتنازعهم مشاعر الحقد على دول الغرب التي سلبتهم كل شيء وأخضعت بلدانهم، وفي ظل عصر تكنولوجي غير مسبوق، أصبح بوسع كل فرد أن ينتقم لنفسه وأن يؤلم العدو، فلم تعد الحروب مقصورة على الجيوش، وأصبح العالم على شفا صراعات جديدة في كل بقعة من أراضيه.
مؤلف كتاب الخوف من البرابرة: ما وراء صدام الحضارات
تزفيتان تودوروف: فيلسوف فرنسي بلغاري، ومؤرخ وباحث، ولد في بلغاريا عام 1939م، يتولى منصب مدير أبحاث بمرتبة الشرف في «المركز الوطني للبحوث العلمية»، ورغم تخصصه الأدبي، انصب اهتمامه على الأحداث المفصلية في التاريخ وقدم تفسيرات مختلفة لأسباب الحروب في عالمنا، عمل تودروف أستاذًا زائرًا في عدد من الجماعات، مثل هارفارد وكولومبيا، كما حصل على العديد من الجوائز أبرزها جائزة الأكاديمية الفرنسية، ومن أبرز مؤلفاته:
الأدب في خطر
الأمل والذاكرة: خلاصة القرن العشرين
عن المترجم:
جان ماجد جبور: كاتب وباحث ومترجم، حصل على الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة السوربون في فرنسا، كما عمل أستاذًا في الجامعة اللبنانية بقسم اللغة الفرنسية
ومن أبرز مؤلفاته:
الشرق في مرآة الرسم الفرنسي.
النظرة إلى الآخر في الخطاب الغربي.





