جدال المخ

جدال المخ
بعد أن عرفنا الأجزاء المسؤولة عن تشكيل القرار في أدمغتنا حان الوقت لمعرفة كيف تتفاعل هذه الأجزاء حينما نقرر شراء مُنتج ما أو تفضيل نوع على آخر، وقد تكفل العالمان «بريان كنتسون Brian Knutson وجورج لوفنشتاين George Loewenstein» بإجراء هذه التجربة على مجموعة من طلاب الجامعة، فطُلِبَ من عشرة طلاب أن يختاروا من بين عشرات من السلع المختلفة التي يعرضونها عليهم، وأُعطُوا قدرًا كبيرًا من المال، وكلما اختاروا سلعة ينقص ثمنها من المال المُعطى لهم، وذلك لمحاكاة تجربة التسوق الحقيقية، وبينما يقرر الطالب شراء المنتج المعروض عليه أم لا يُصَوَّر نشاط المخ، واكتُشِف أنه حينما يُعرض المنتج على الشخص للمرة الأولى تنشط النواة المتكئة كونها الجزء المسؤول عن مكافأة الدوبامين، وكلما زادت رغبة الشخص في هذا الشيء تغمر النواة المتكئة المخ فورًا بالدوبامين، بعد هذه المرحلة يبدأ الشخص في ملاحظة تكلفة المنتج، ويبدأ معها نشاط كل من الفص اللحائي المسؤول عن مشاعر النفور، ولذلك نحاول تجنب أي شيء يعمل على تنشيطه وخصوصًا إنفاق المال، والقشرة الجبهية الأمامية التي كان يُعتقد أنها تنشط لأنها تقوم بإجراء العمليات الحسابية، ومحاولة تقييم ما إذا كان المنتج يُمثل صفقة جيدة أم لا، ولكن في التجربة اكتشف أنها كانت تثار بشدة عندما تكون تكلفة المنتج المعروض أقل بكثير من المعتاد.
وبناء على مُلاحظة نشاط هذه الأجزاء عرف الباحثان أي المنتجات سيشتريها الطلاب قبل شرائهم لها بالفعل، فإذا فاقت سلبية الفص اللحائي المشاعر الإيجابية المتولدة عن النواة المتكئة، قَرَّرَ الشخص ألا يشتري المنتج، أما إذا كانت النواة المتكئة أكثر من نشاط الفص اللحائي أو إذا اقتنعت القشرة الجبهية الأمامية بأنها عثرت على صفقة جيدة، فإن الشخص يقرر الشراء متجاوزًا نفوره المتولد عن إنفاق المال مقابل الاستمتاع بنشوه الحصول على شيء جديد.
وقد تعارضت هذه التجربة مع النماذج العقلانية للاقتصاد التي تفترض أن المستهلك يشتري وفقًا لحسابات السعر والمنفعة المتوقعة من المنتج، ولكن ما يحدث حقًّا أن أغلب قراراتنا التسويقية تكون مندفعة بالمشاعر، وحسمت التجربة أيضًا الجدال الناشئ عن افتراض أن القرارات تعكس إجماعًا قشريًّا واضحًا، وأن العقل بأكمله يوافق على ما ينبغي فعله، والواضح أن بين هذه الأجزاء المختلفة تنافرًا، يُشكل فرصه لمن يريد استغلاله في التفكير في المعلومات بصورة مغايرة لمعتقداته الراسخة والتوصل لقرارات أفضل.
الفكرة من كتاب كيف نقرر: أنظمة عمل المخ وآلية تشكيل السلوك
هل تساءلت يومًا كيف يعمل عقلك في أثناء اتخاذ القرارات عندما تواجه خيارات عديدة يحمل كل منها عواقب مختلفة؟ وعلى أي أساس يميل إلى تفضيل خيار على آخر؟ في هذا الكتاب ننطلق في رحلة لاكتشاف الأسرار الكامنة وراء كيفية تشكيل السلوكيات واتخاذ القرارات، سنتعرف الأنظمة الدماغية المسؤولة عن عملية اتخاذ القرار وكيف يتفاعل بعضها مع بعض، وكيف يمكن لاضطرابات التوازن العصبي أن تؤدي إلى سلوكيات غير متوقعة، مما يوفر لنا فهمًا أعمق عن الآليات التي تحكم تفكيرنا وتصرفاتنا، وتُمكننا من تحسين جودة قراراتنا.
مؤلف كتاب كيف نقرر: أنظمة عمل المخ وآلية تشكيل السلوك
جونا ليرر: كاتب وصحفي علمي أمريكي، وُلد في 25 يونيو 1981م في لوس أنجلوس، وحصل على درجة البكالوريوس في علم الأعصاب من جامعة كولومبيا، كما درس في جامعة أكسفورد ضمن منحة رودس «The Rhodes Scholarship»، وسبقت له الكتابة في عدة مجلات، منها مجلة «The New Yorker» و«Nature»، اشتهر بكتبه ومقالاته التي تتناول موضوعات في العلوم العصبية وعلم النفس.
من مؤلفاته:
Imagine: How Creativity Works
Proust Was a Neuroscientist
Mystery: A Seduction, A Strategy, A Solution
عن المترجمة:
رنا أبو الأنوار.





