المخ السيكوباتي

المخ السيكوباتي
قد يكون من الغريب محاولة معرفة ما يدور في أدمغة السيكوباتيين وربطه باتخاذ القرار، إذ تصنف هذه الفئة على أنها نماذج مروعة للإنسانية، إلا أن حالة السيكوباتيين تُلقي الضوء على جزء فرعيٍّ من عملية اتخاذ القرار، يُشار إليه “بالأخلاق”، والأخلاق هي التي تدفعنا إلى اتخاذ قرارات تضع الآخرين في الحسبان إلى جانب أنفسنا، فنفكر في مشاعرهم ونتعاطف مع حالاتهم الذهنية، ودائمًا ما كان يُربط التعامل بأسلوب أخلاقي بالمنطق واتباع القوانين المجتمعية، فكما قال «إيمانويل كانط Immanuel Kant»: “إتيان الشيء الصحيح لا يكون سوى نتيجة التصرف بعقلانية، وأن الانحلال الأخلاقي ما هو إلا نتيجة للا منطقية”، ولكن بعد دراسة أدمغة السيكوباتيين اتضح خطأ هذا الأمر، فأغلب الاختبارات النفسية تُظهر تمتع السيكوباتي بذاكرة فعالة جيدة، وقدرتهم على استخدام اللغة بصورة طبيعية، وأنه ليس لديهم تراجع في الانتباه، ولديهم مُعدل ذكاء يفوق المتوسط، مما يدل على أنهم يتمتعون بقدرات عالية على التعقل، ورغم ذلك يستمتعون بأذية الآخرين وعدم الالتفات إلى مشاعرهم.
إذًا المشكلة ليست في المخ العقلاني لديهم، ولكن هناك ضررًا في مخهم العاطفي، وقد توصل علماء الأعصاب إلى حدوث تلف في “اللوزة المخية | amygdala” وهو العامل المميز لمخ السيكوباتي، فهذه المنطقة هي المسؤولة عن تزايد عواطف النفور مثل: الخوف والقلق، ولهذا لا يشعر السيكوباتيون بالسوء حينما يتسببون في هذه المشاعر لدى الآخرين، فالعدوان لا يتسبب في اضطرابهم ولا يفزعهم كما يؤثر في الشخص الطبيعي، وبسبب هذا الخواء العاطفي فهم لا يتعلمون من تجاربهم، فحتى بعد إطلاق سراحهم المشروط يعودون لأذية شخص آخر.
والآن بتنا نعرف أن اتخاذ قرارات أخلاقية يحتاج إلى تنمية مهارة التعاطف، ولكن الشعور بالتعاطف ليس بالبساطة التي يبدو عليها، ففي البداية علينا أن نعرف ما الذي يشعر به الآخرون قبل أن نتعاطف مع مشاعرهم، ولا يمكن أن يحدث هذا إلا بتطوير مهارتنا في معرفة ما يدور داخل عقولهم، بحيث يستطيع مخنا العاطفي محاكاة نشاط مخهم العاطفي، وتتم هذه القراءة العقلية من خلال ملاحظة تعبيرات الوجه إذا كنت تتحدث معهم بشكل واقعي، أما في العالم الافتراضي فيكون عبر تصور ما كنا سنشعر به في الموقف نفسه.
الفكرة من كتاب كيف نقرر: أنظمة عمل المخ وآلية تشكيل السلوك
هل تساءلت يومًا كيف يعمل عقلك في أثناء اتخاذ القرارات عندما تواجه خيارات عديدة يحمل كل منها عواقب مختلفة؟ وعلى أي أساس يميل إلى تفضيل خيار على آخر؟ في هذا الكتاب ننطلق في رحلة لاكتشاف الأسرار الكامنة وراء كيفية تشكيل السلوكيات واتخاذ القرارات، سنتعرف الأنظمة الدماغية المسؤولة عن عملية اتخاذ القرار وكيف يتفاعل بعضها مع بعض، وكيف يمكن لاضطرابات التوازن العصبي أن تؤدي إلى سلوكيات غير متوقعة، مما يوفر لنا فهمًا أعمق عن الآليات التي تحكم تفكيرنا وتصرفاتنا، وتُمكننا من تحسين جودة قراراتنا.
مؤلف كتاب كيف نقرر: أنظمة عمل المخ وآلية تشكيل السلوك
جونا ليرر: كاتب وصحفي علمي أمريكي، وُلد في 25 يونيو 1981م في لوس أنجلوس، وحصل على درجة البكالوريوس في علم الأعصاب من جامعة كولومبيا، كما درس في جامعة أكسفورد ضمن منحة رودس «The Rhodes Scholarship»، وسبقت له الكتابة في عدة مجلات، منها مجلة «The New Yorker» و«Nature»، اشتهر بكتبه ومقالاته التي تتناول موضوعات في العلوم العصبية وعلم النفس.
من مؤلفاته:
Imagine: How Creativity Works
Proust Was a Neuroscientist
Mystery: A Seduction, A Strategy, A Solution
عن المترجمة:
رنا أبو الأنوار.





