وجه صالح للشرير.. حرب ضد الإرهاب

وجه صالح للشرير.. حرب ضد الإرهاب
هل العالم في حاجة دائمة إلى عدو؟ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحين بدأت أقطاب هذا العالم بالظهور، كان واجبًا على جميع الدول أن تحدد موقفها، إما أن تكون حليفة لإحدى القوتين الكبيرتين وإما أن تكون عدوًّا، لكن بعد نهاية الحرب الباردة، بدت الهيمنة الأمريكية على العالم غير محدودة، وفي تلك الأثناء لم يعد للولايات المتحدة عدو واضح سوى تلك الجماعات التي لا تنتمي إلى كيان سياسي محدد، ولكن رأت فيها العسكرية الأمريكية عدوًّا جديرًا بالحذر، وبعد أحداث سبتمبر من العام 2001م، قررت الولايات المتحدة أن الشرير الجديد الذي ستسعى إلى الخلاص منه هو تلك المنظمات المنتمية إلى الإسلام، وذهب المنظرون الأمريكيون في هذا الطريق إلى أقصاه، فرأوا الإسلام خطرًا سيهدد هيمنة الولايات المتحدة على القرن الجديد، ومنذ ربع قرن ظهر مسمى “الحرب على الإرهاب” الذي خاضت به الولايات المتحدة في قلب الشرق الأوسط ودمه.
إن تلك الثنائيات التي تُحدد الخير والشر يجب أن تُنتج في النهاية أعداء شرسين يتحملون كل الشرور ولا مفر من إبادتهم، ففي سبيل الخير والعدالة سيُسفك الدم وتُرتكب الجرائم، لكن في نهاية هذا المسار لا شك أن هؤلاء الأخيار سيكونون أشرارًا بالضرورة، لقد تكررت هذه الحالة مرات عديدة في التاريخ، تلك الدول التي تحمل المثل العليا وترغب في مشاركتها مع الأمم البدائية، كالولايات المتحدة في العراق، وفرنسا في الجزائر، لقد أصبحت عادة ثابتة أن ينقلب الداعي الأخلاقي إلى شرير مستذئب، ولم يعد للشعوب المستهدفة إلا أن تبرز سكاكينها ما إن تسمع مثله العليا التي يسعى إلى نشرها.
إن حربًا كهذه لا تخضع لقوانين النصر والهزيمة المعتادة، فبينما ترتع الدولة المتفوقة بالسلاح والعتاد، لا يؤثر هذا في الجماهير الغاضبة ولا يخيفها كما كانت الكيانات الدولية لتفعل، بل على العكس، تزداد شعبية أولئك الأفراد ويصبحون مقاتلين ثائرين في وجه الهيمنة، فغزو الولايات المتحدة للعراق لا يذكرنا بنصر لها أو هزيمة للعراقيين، بل يستحضر على الفور الجرائم التي ارتكبها الجنود الأمريكيون واللحظة التي أصبحت فيها قيم الولايات المتحدة بالنسبة إلى الشعوب نفاقًا سياسيًّا لا أكثر.
الفكرة من كتاب الخوف من البرابرة: ما وراء صدام الحضارات
بعد الحرب العالمية الثانية، لم يبقَ العالم على صورته الأولى، فبعد أن كان الصراع واضحًا بين الدول التوسعية والديمقراطيات الغربية، تحول هذا الصراع إلى حرب باردة امتدت نصف قرن بين الاتحاد السوفيتي والعالم الحر، وبدا أن العالم سيستمر على هذه الصورة طويلًا، لكن في نهاية القرن ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، عاد الأمل من جديد إلى المراقبين في عالم خالٍ من الصراع وشاخص إلى المستقبل.
لم تستمر هذه الأحلام لمدة طويلة، فبعيدًا عن طرفي النزاع، كان هناك طرف آخر لم يجد محل قدم في العالم الجديد، فقد دخلت دول العالم الثالث إلى القرن الحادي والعشرين، وشعوبها تتنازعهم مشاعر الحقد على دول الغرب التي سلبتهم كل شيء وأخضعت بلدانهم، وفي ظل عصر تكنولوجي غير مسبوق، أصبح بوسع كل فرد أن ينتقم لنفسه وأن يؤلم العدو، فلم تعد الحروب مقصورة على الجيوش، وأصبح العالم على شفا صراعات جديدة في كل بقعة من أراضيه.
مؤلف كتاب الخوف من البرابرة: ما وراء صدام الحضارات
تزفيتان تودوروف: فيلسوف فرنسي بلغاري، ومؤرخ وباحث، ولد في بلغاريا عام 1939م، يتولى منصب مدير أبحاث بمرتبة الشرف في «المركز الوطني للبحوث العلمية»، ورغم تخصصه الأدبي، انصب اهتمامه على الأحداث المفصلية في التاريخ وقدم تفسيرات مختلفة لأسباب الحروب في عالمنا، عمل تودروف أستاذًا زائرًا في عدد من الجماعات، مثل هارفارد وكولومبيا، كما حصل على العديد من الجوائز أبرزها جائزة الأكاديمية الفرنسية، ومن أبرز مؤلفاته:
الأدب في خطر
الأمل والذاكرة: خلاصة القرن العشرين
عن المترجم:
جان ماجد جبور: كاتب وباحث ومترجم، حصل على الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة السوربون في فرنسا، كما عمل أستاذًا في الجامعة اللبنانية بقسم اللغة الفرنسية
ومن أبرز مؤلفاته:
الشرق في مرآة الرسم الفرنسي.
النظرة إلى الآخر في الخطاب الغربي.





