هل السوق دائمًا على حق؟

هل السوق دائمًا على حق؟
السوق كائن غريب استعصى على الفهم، وكلَّما ظن البعض الإحاطة بها فاجأتهم بإحدى عجائبها، ويصبح الأمر أكثر تعقيدًا في أسواق المال حيث يجري التعامل على المال بمفهومه الواسع الذي هو بذاته معيار القيمة لباقي الأشياء! والمتتبِّع حالات الصعود والهبوط في البورصات يجد أمرًا عجيبًا يتكرَّر حدوثه، فكثيرًا ما ترتفع أسعار أسهم شركة ما رغم أنها في الواقع قد تعاني بعض المشكلات والعكس صحيح، وهذا يؤكد أن أسواق المال لها قواعدها الخاصة التي تسير وفقًا لها بعيدًا عن المنطق والمعقول.

فهي في بعض الأحيان قد لا تأبه كثيرًا بالمركز المالي الحقيقي للشركة، بل ترتكز بصفة أساسية على تفاعلات العرض والطلب داخل الأسواق، والتي بدورها ترتبط بمدى نظرة المتعاملين تجاه أسهم الشركة خصوصًا كبار المتعاملين، وهنا يأتي دور سياسة القطيع التي كثيرًا ما تكون السبب وراء ارتفاع أسهم شركة ما من قاع الركام والخسف بأسهم شركة أخرى من قمم السحاب، ومن هنا كانت البورصة أشبه بعرض أزياء، فاختيار الجمهور لا يعني بالضرورة الأجمل أو الأكثر أناقة، وإنما يختار الجمهور فقط تلك التنُّورة التي تحوز على أغلبية الأصوات.
هكذا هي الشركات في البورصة، فاتفاق الباعة والمشترين على سعر سهم ما لا يعني بالضرورة أن تلك القيمة عادلة أو معقولة أو حتى نزيهة، ومن الأمثلة الواقعية على ذلك فقاعة شركات التكنولوجيا مطلع القرن الواحد والعشرين حينما جرى تقييمها بأعلى من قيمتها الحقيقية، وتجاوزت بذلك أعمدة الاقتصاد القديم والتي تحقِّق أرباحًا منذ عشرات السنين، لذلك يعد رواج الأسهم ومدى الإقبال عليها بيعًا وشراءً هو المحدِّد الأساسي للقيمة في أسواق المال، وهذا يفضي بنا إلى الفصل بين الشركة وأسهمها، والتعامل مع الأسهم كسلعة مستقلَّة عن شركتها تسير وفق قواعدها الخاصة.
الفكرة من كتاب البورصة حقائق وأوهام
يتناول هذا الكتاب قلب الاقتصاد الحديث، ألا وهو أسواق المال التي تعدُّ شريان الاقتصاد وفي القلب منها البورصات، وبالأخص سوق الأسهم والسندات، والتي طالما كانت أحد أهم معاقل الأزمات المالية التي أصابت الاقتصاد العالمي بالشلل بداية من كارثة الكساد الكبير 1929، ومرورًا بأزمة النمور الآسيوية 1997، وانتهاءً بالأزمة المالية العالمية 2008، وقد نتجت كل تلك الأزمات وغيرها بسبب عدد من الممارسات الخاطئة وقواعد الحوكمة الضعيفة، التي أشار إليها الكاتب في ثنايا هذا الكتاب، بالإضافة إلى مناقشته تلك البروباجندا الزائفة حول مساهمة البورصة بوضعها الحالي في تمويل الاقتصاد، مما يمكن القول معه إن تلك المعلومات الواردة في هذا الكتاب نادرًا ما تجدها في كتاب آخر.
مؤلف كتاب البورصة حقائق وأوهام
رجب أبو دبوس: يعدُّ من أبرز وأشهر المفكرين والأكاديميين الليبيين، كما أنه أبرز فلاسفة النظرية الجماهيرية وسلطة الشعب، حصل على ليسانس الفلسفة من الجامعة الليبية بنغازي 1969، ودرجة الماجستير من فرنسا جامعة أيكسنبروفانس عن رسالة بعنوان “التخيل” 1973، ودرجة الدكتوراه من الجامعة نفسها عن رسالة بعنوان “الحرية” 1977، كما شغل منصب رئيس قسم الفلسفة جامعة قاريونس 1977.
لديه عشرات المؤلفات؛ من بينها : “نحو تفسير اجتماعي للتاريخ” 1982، و”محاضرات في الفلسفة المعاصرة” 1996، و”العولمة بين الأنصار والخصوم” 2001، و”ماضي المستقبل.. صراع الهوية الوطنية” 2001.