منزلة القرآن الحقيقية

منزلة القرآن الحقيقية
لقد انصبَّ اهتمام الغالبية من المسلمين على الناحية الشكلية للقرآن، ولم يواكب ذلك اهتمامٌ بتدبره والتأثر به، والأكثر صعوبة أن الكثيرين لا يعترفون بذلك، بل يعتبرون أن الاهتمام بالقرآن يعني الإكثار من قراءته بفَهم أو دون فهم، ويعني كذلك تخريج أكبر قدر من حُفَّاظ ألفاظه في أقل وقت ممكن، فازداد القرآن يُتمًا، وأصبح موجودًا ومهجورًا.

ومما يلفت الانتباه أن رسولنا (صلى الله عليه وسلم) قد اشتكانا لله (عز وجل) بخصوص هذا الوضع الشاذ الذي نفعله مع القرآن: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ فوجود كلمة “اتخذوا” مع كلمة “مهجورًا” أعطت مفهوم الهجر بُعدًا آخر، ودلت على أن الشكوى تخصُّ أناسًا تعاملوا مع القرآن، وبذلوا فيه مجهودًا؛ إلا أنهم في نفس الوقت قد هجروا القرآن! وذلك حين اهتموا بشكله ولفظه، وهجروا أهم جانب فيه ألا وهو تأثيره المتفرد في القلوب ليحول ما فيها من ظلمات الهوى إلى نور الإيمان.
فمنزلة القرآن جليلة، وهو سبيل النجاة في هذا الاختبار الدنيوي، الاختبار الذي يصارع فيه الإنسان شهواته وشبهاته، ويصارع فيها عداوة إبليس، فإن مستهدَف إبليس هو إضلال الجميع بلا استثناء، لذا يقول (صلى الله عليه وسلم): “أبشروا، فإن هذا القرآن طرفه بيد الله، وطرفهُ بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تهلكوا، ولن تضلوا بعده أبدًا”، فإن معرفة طريق الهدى وحدها لا تكفي للسير فيه، فقيود الشهوات تقيد القلب، وتجذبه إلى الأرض، ووساوس الشيطان وإغراءاته تثبِّط الإنسان كلما همَّ بفعل الخير، بل لا بدَّ من وسيلة تعين الناس على السير فيه، ولا بدَّ من دواء يشفي صدورهم، ويُخلِّص قلوبهم من سيطرة الهوى وحب الدنيا والتثاقل إلى الأرض، وهذا هو أعظم جانب لمعجزة القرآن؛ إنه قادر على التغيير والتقويم لكل من يُقبل عليه، فالقرآن ليس وسيلة للهداية فقط، بل هو هُدًى وَشِفَاءٌ.
الفكرة من كتاب تحقيق الوصال بين القلب والقرآن
مع تيسُّر القرآن للجميع إلا أن غالبية الأمة قد أعرضت عنه كمصدر متفرد لتوليد الإيمان وتقويم السلوك، واكتفت منه بتحصيل الأجر والثواب المترتب على تلاوته وحفظه، بالإضافة إلى ذلك الواقع المرير الذي تحياه أمتنا، واحتياجها الماس إلى مشروع ينهض بها، ويعيدها إلى سيرتها الأولى، ومن هنا يبدأ الكاتب رحلته في الحديث عن القرآن وقيمته العظيمة، وكيفية الانتفاع به ليحدث الوصال الحقيقي بين القلب والقرآن فيتغير تبعًا لذلك الفرد ومن ثمَّ الأمة كما حدث مع الجيل الأول، وحتى يدخل القرآن القلب يتطلب ذلك أن نتعامل مع القرآن بالطريقة التي تحقق هذا الهدف، والتي أرشدنا إليها الله (عز وجل) في كتابه، ورسوله (صلى الله عليه وسلم) في سنَّته، وطبقها الصحابة (رضوان الله عليهم).
مؤلف كتاب تحقيق الوصال بين القلب والقرآن
مجدي الهلالي: كاتب وطبيب وداعية مصري، قدَّم عشرات الكتب في الدعوة والتربية الإيمانية، التي تهدف إلى ارتقاء الفرد بنفسه والتخلُّص من مثبِّطات الهمم، له العديد من الخطب والتسجيلات والمقالات في مختلف الصحف والمواقع الإلكترونية، شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات المحلية والدولية، عمل بالسعودية فأقام في المدينة المنورة إلى أن توفي بها سنة 2005م.
من أبرز مؤلفاته:
حطِّم صنمك.
الإيمان أولًا فكيف نبدأ به.
كيف نحب الله ونشتاق إليه.
التوازن التربوي وأهميته لكل مسلم.