مقدمة تاريخية

مقدمة تاريخية
منذ أن وطئ الإنسان هذا العالم الأرضي وهو لا ينفكُّ عن محاولة سبر أغواره، بل كان إذا شاهد ظاهرة طبيعية كالبرق والرعد وظهور المذَّنبات والمد والجذر وغيرها، فربما كان ذلك يثير فضولَه فعكف على تفسيره ولو تفسيرًا غير منطقي، فالعلاقة بين الإنسان والعالم كانت دائمًا علاقة ديناميكية بالأساس وإن أخذت أشكالًا مختلفة، فعن طريق التليسكوبات والميكروسكوبات والغواصات وسفن الفضاء استكشف الإنسان عوالم أخرى لم تخطر له على بال، وعلى الجانب الآخر نجد أن الفلاسفة احتاروا في تعليل الموجودات في الكون، بل نقَل بعضُهم عالمَ الفكر من الأرض إلى السماء عندما ركَّزوا بحثهم على عالم ما وراء الطبيعة كمحاولة للتعرف على من يحرِّك عرائس الكون من خلف الكواليس.

ونحن إذا استعرضنا محطات التاريخ البشري نجد أن الفترة الواقعة بين القرنين السادس عشر والثامن عشر تعدُّ من المراحل الفاصلة، إذ شهدت اندلاع ثورةٍ علمية غيَّرت شكل العالم بصورة جذرية على نحو لا رجوع عنه، ومهما ثار من جدل حول تلك الحقبة إلا أن لها الفضل في ابتكار نظم جديدة ساعدتنا على قراءة تلك الرسائل والمعاني الكامنة في النظام الكوني، فالإله لا يلعب بالنرد، والكون لا يزال ينبض بالأسرار إلى اليوم، ولعل أهم ما ميَّز تلك الفترة هو التزايدُ الملحوظ في الأسئلة عن العالم الطبيعي وكثرة الإجابات، فكان ذلك سببًا في إرساء القواعد والأسس الثابتة للمناهج المعرفية والبحثية القائمة اليوم، مما شكَّل نوعًا من الثراء المعرفي تمثَّل في خلق نسيج غني بالأفكار المتشابكة وسوقًا صاخبة من الأنظمة المتنافسة، فكان العالم في تلك الفترة أشبه بمعمل يعُجُّ بالتجارب في جميع ميادين الفكر، فظهرت على إثر ذلك آمالٌ بشرية لا حدود لها ربما لا يزال بعضها يشغل بالنا إلى اليوم.
الفكرة من كتاب الثورة العلمية: مقدِّمة قصيرة جدًّا
لعلَّنا مدينون اليوم للتقدُّم العلمي في شتى ميادين الحياة المختلفة، حيث أصبحت المعرفة العلمية مكوِّنًا أساسيًّا في كثيرٍ من المنتجات الصناعية اليوم، ولكن تلك الثورة العلمية لم تحدث هكذا اتفاقًا! وإنما مرَّت بالعديد من المحطات المهمة التي تراكمت فيها شيئًا فشيئًا حتى وصلت إلى ما نشاهده اليوم، لذلك كان هذا الكتاب مرجعًا سهلًا للولوج إلى المحطات المختلفة للثورة العلمية، وصولًا إلى نشأة المجتمعات العلمية اليوم.
مؤلف كتاب الثورة العلمية: مقدِّمة قصيرة جدًّا
لورنس إم برينسيبيه Lawrence M. Principe: أستاذ علم الإنسانيات وكاتب أمريكي، وُلِدَ في الـ16 من مايو (أيار) عام 1962، حصل على درجتي بكالوريوس في جامعة ديلاوير (بكالوريوس دراسات ليبرالية، 1983؛ بكالوريوس في الكيمياء، 1983)، وعمل عقب تخرُّجه على مشاريع علمية في جامعة إنديانا (دكتوراه كيمياء عضوية، 1988)، وفي جامعة جونز هوبكنز (دكتوراه تاريخ العلم، 1996)، وهو الآن أستاذ العلوم الإنسانية في جامعة جونز هوبكينز في قسم تاريخ العلوم والتكنولوجيا وقسم الكيمياء، ومدير مركز تشارلز سينجلتون لدراسة أوروبا الحديثة، وهو مركز متعدِّد التخصصات للأبحاث في جامعة جونز هوبكينز.
من مؤلفاته: “أسرار الكيمياء”، و”روايات جديدة في كيمياء القرن الثامن عشر”، و”الخبير الطموح: روبرت بويل وسعيه الكيميائي”.