معنى الأقلية ونظرة الإسلام إليها

معنى الأقلية ونظرة الإسلام إليها
إن مصطلح “الأقلية” لم يكن بمعناه الحالي حتى استحدثته المفاهيم الغربية منذ اللحظة التي حدث فيها احتكاك بين الحضارتين الإسلامية والغربية في العصر الحديث، وهو يعبِّر عن فئة من الأفراد تشترك في بعض السمات والخصائص التي تميِّزهم عن بقية المجتمع الأكثر منهم عددًا، كما أنها لا تعني فقط أقلية عددية أو سياسية، وإنما هي أيضًا أقلية لها هويتها الثقافية المختلفة، وبشكل صريح فهي تعني وجود فرق يمنع الانخراط التام، فمثلًا في مصر لا يتم اعتبار الأقباط أقلية وسط الأغلبية المسلمة، وذلك لأن الانخراط منع حدوث الفارق الذي يستجلب هذا المصطلح، فهم يتحدثون العربية ويعيشون الأجواء الإسلامية كالأعياد والمناسبات كما لم يمنعهم المسلمون من حقوقهم بكل أوجهها ليس باعتبارها منَّة من الأغلبية المسلمة وإنما هي حقوقٌ واجبة.

ولم يعرف التراث الإسلامي سواء من الناحية الدينية والتاريخية أو حتى اللغوية، استخدام مصطلح “الأقلية” بهذا المفهوم القائم على التمييز، بل على العكس ارتبطت الكثرة بالجهل وقلة الإيمان، فقال تعالى: ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾، إذًا لم تكن الكَثرة ميزة بشكل دائم، ثم نرى عن القلَّة ما يُقال في كتابه الكريم: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾، حتى الإسلام لما عمل على محاربة التمييز، كان ردُّه صريحًا حين أوضح ألَّا فرق بين أعجمي وعربي إلا بالتقوى، وأن الله شاء أن تكون الإنسانية التي خُلقت من نفسٍ واحدة ستختلف في الألسنة واللغات والقوميات والألوان وغيرها، وكان الرابط الذي يظلِّل ذلك الاختلاف هو “الإسلام” بشرعه وقوانينه.
الفكرة من كتاب الإسلام والأقليات: الماضي.. والحاضر.. والمستقبل
إن نقطة قوة الحضارات تكمن في أقليَّاتِها، فمنها تعرف أتستقرُّ الحضارة أم تزول ولا يبقى لها أثر، وكذا الحال في إمبراطوريات مضت كالرومانية التي لم تُهلك إلا بالأقليات الموجودة بها، ولقد كان من الضروري أن نتعمَّق في موقف الإسلام مع الأقليات والسياسة التي تعامل بها معهم حينما كانوا تحت ظلاله ولا يزالون.
وعمومًا، فبمرور الزمن وتتابع التاريخ ستجد أن سياسةً استعمارية قد بلورت أهدافها على يد هذه الثغرة؛ ثغرة الأقليات، وكلُّ ما عليك أن تدعم أقلية وتسلِّط الضوء عليها، فهذا يكفي لإسقاط دولة سمحت لك بالتغلغل في هذه الثغرة كدول لبنان وسوريا والعراق وليبيا، فما القصة؟
مؤلف كتاب الإسلام والأقليات: الماضي.. والحاضر.. والمستقبل
الدكتور محمد عمارة (1931-2020)، هو مفكر إسلامي مصري، وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، وعضو هيئة كبار علماء الأزهر الشريف، ورئيس تحرير مجلة الأزهر سابقًا، حصل على الليسانس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية عام 1965م من كلية دار العلوم جامعة القاهرة، ثم نال درجة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية عام 1975م، وألَّّف ما يصل إلى 147 كتابًا، ومن أهم مؤلفاته:
عندما دخلت مصر في دين الله.
مقوِّمات الأمن الاجتماعي في الإسلام.
القدس بين اليهودية والإسلام.