مشكلة خارجية العالم

مشكلة خارجية العالم
من أكبر المشكلات التي واجهت الفلسفة المثالية هي تصوُّرها عن العالم الخارجي، أو كيف يمكن تعليل ما يسمَّى في الموقف الطبيعي بالعالم الخارجي، فهو شيء موجود ندركه ونراه ونحسُّه.إن شكل العالم الخارجي والتصور عنه يختلف من مجال إلى آخر، فالموقف العلمي يرسم له صورة غير التي يراه بها الموقف الطبيعي، وكذلك له نظرة مختلفة لدى عالم الفلك، ونظرة أخرى لدى عالم البيولوجيا، وهذه النظرات تختلف عن نظرة الإنسان العادي، ولا يقال لإحداها إنها هي الصحيحة وغيرها خطأ لأن كل واحدة منها لها مجالها الخاص، وهي صحيحة في هذا المجال.

وترى المثالية أن الفلسفة بإمكانها التوصُّل إلى صورة أخرى للعالم غير الصورة الثابتة في الموقف الطبيعي، ووسيلة إثبات ذلك لدى الفلسفة المثالية هو تأكيدها عدم استقلال العالم عن الذات، ومن ثم اشتراك الذات في تكوين الصورة الظاهرة في الموقف الطبيعي عنه، التي هي مجرد مظهر، وتختفي وراءها صورة أخرى هي الصورة الحقيقية للعالم. إن ضرورة توقُّف رؤية العالم والنظرة إليه على الذات لا تتعارض على الإطلاق مع بقاء الواقع مستقلًّا، لأنه وإن كانت الذات مشتركة في تكوين صورة نهائية للعالم إلا أن للعالم وجودًا مستقلًّا عن الذات، والمعيار لهذا الاستقلال هو وجود شروط موضوعية لا تكونها الذات، ومن دونها لا يمكن الإدراك.
لقد اختلفت أنظار الفلاسفة المثاليين إلى العالم الخارجي، فنجد ديكارت مثلًا يرى أن وجود العالم في حاجة إلى برهان عقلي، وهذا البرهان يحتاج إلى دعامة من الإيمان حتى نضع حدًّا لقدرة الذهن على إثارة نقاط الشك. وكانت حجة الأحلام إحدى الحجج التي استخدمها المثاليون لتشكيك الإنسان في واقعية العالم على طريقتهم في اتباع النماذج الشاذة الطارئة على الإنسان، وأوضح حجة تتمثل فيها حجة الأحلام هي حالة ديكارت، فقد كان دور حجة الأحلام في الشك الديكارتي أساسيًّا.
إذا كنت حال نومي أشعر بأني أفعل أشياء حقيقية، فما الذي يضمن لي ألا يكون كل إدراك أسميه حسيًّا أن يكون واقعيًّا، هكذا يصوغ المثالي حجة الأحلام، ويمكن الجواب عن ذلك بسهولة، وذلك بأن يقال إن القدرة على التمييز بين النوم واليقظة هو أكبر دليل على واقعية ما أشعر به حال يقظتي، ثم إن لفظَي الحلم والواقع لفظان لا يتصوَّر أحدهما دون الآخر، ذلك أنه من المستحيل الكلام عن حلم بلا واقع، وكذلك الحلم مستمدٌّ من تقابله مع الواقع.
الفكرة من كتاب نظرية المعرفة والموقف الطبيعي للإنسان
تشكِّل دراسة الفلسفة بوجه عام ودراسة نظرية المعرفة كأحد فروع الفلسفة أمرًا غاية في الأهمية، فلن نكون مبالغين إذا قلنا إنَّ نظرية المعرفة هي أهم فروع الفلسفة على الإطلاق قديمًا وحديثًا، فبها تتكوَّن تصوُّرات الإنسان عن الكون والحياة والوجود، ويراد بها الفرع الذي يبحث في طبيعة المعرفة ومصادرها وإمكاناتها.
وفي هذا الكتاب يستعرض المؤلف هذه النظرية علميًّا وفلسفيًّا وموقف الإنسان الطبيعي العادي من ذلك.
مؤلف كتاب نظرية المعرفة والموقف الطبيعي للإنسان
فؤاد حسن زكريا: أستاذ مصري متخصص في الفلسفة، حصل على جائزة الدولة التقديرية عام 1996م، وجائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، عام 1999م، وولد سنة 1927، وتوفي سنة 2010.
له مؤلفات وترجمات كثيرة، منها: “دراسة لجمهورية أفلاطون”، و”نقد الاستشراق وأزمة الثقافة العربية المعاصرة”، وترجمة كتاب “الجمهورية” لأفلاطون، وترجمة كتاب “نشأة الفلسفة العلمية” لرايشينباخ.