محدودية عقولنا

محدودية عقولنا
نحتاج إلى التفكير والإمكانات الذهنية كي نعثر على حل للمشكلات التي تمر بنا، فبهما يمكننا استخدام المعلومات التي لدينا لنصل إلى المجهولات والحلول. ولكننا كثيرًا ما نخطئ في تفكيرنا، أو لا نستطيع الوصول إلى حل بعض المشكلات، بسبب ضخامة المشكلة وضعف إمكاناتنا العقلية وعدم دقة المعلومات وكفايتها فلا تفي بالغرض، وبسبب تأثر العقل بضغوط داخلية من ميول ورغبات، أو ضغوط خارجية من سلطة وأعراف وتقاليد، أو بسبب تخصص القضية وعدم وجود من يساعدنا فيها. والعقل البشري رغم محدوديته فقد غالت الحضارة الحديثة وبالغت في التعامل معه، ونحن نريد أن يكون العقل البشري على الرغم من محدوديته مصدرًا للتشريع وزادًا للروح والمادة وكل شؤون الحياة.
والعقل البشري قاصر، وإن استطاع الوصول إلى بعض المجهولات يظل غير قادر على خوض كل المسائل والمشكلات، فهو دائم التغير والتأثر بما حوله، ومهما كثرت ابتكاراته تظل لها آثار جانبية حولنا من تلوث وفساد، كما أنه لا يمنح اليقين فهو فقط يقدم مفاتيح للحلول، ويظل عاجزًا عن التنبؤ بدقيق الأمور والإلمام بكل المتغيرات التي تقع في المستقبل، فلا يمكنه التعرف على كل الأسباب، وربما يقع في الخرافات أو يصنعها ويصدقها. كما قد تعجز العقول عن التقسيم والتفصيل وتلجأ أحيانًا إلى التفكير في الكليات، فالإنسان كائن اقتصادي يسعى إلى تقليل ما يبذله ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، فيحاول التخلص من التفاصيل ويحيل طيف الألوان الواسع إلى اللونين الأسود والأبيض فقط ويتعامى عن البقية، ويفكر في الصواب والخطأ ومن معنا ومن علينا، مما يحجم مساحات التواصل والحوار بين الأحزاب والمختلفين، ولا يستطيع الشخص مراجعة نفسه أو حتى فهم الآخرين والتعاون معهم.
كما أنّ عقولنا لا تلتزم الحياد في كل شئون الحياة، فنرى الأمور بناءً على تجاربنا وعقائدنا وثقافتنا، ونرى الواقع بمنظار يختلف من شخص لآخر، ولا توجد حيادية كاملة بل دائمًا هناك انحياز. وتميل العقول إلى الاعتقاد بالصواب المطلق، فمن السهل عليها التعامل مع المطلق من التعامل مع النسبي، وتخلط بين ما هو نسبي ويقيني في كثير من الأحيان. وتضيق العقول عن التفكير في الحلول المختلفة، فتقف عند الحل الوسط ظنًّا منها أن ذلك هو الصحيح، ولا تحاول البحث فلربما الحل الصحيح هو حل خارج الحلول التي تراها، وربما يشكل الحل الوسط في حد ذاته فسادًا وخطأ مع وجود الحلول الأخرى.
الفكرة من كتاب خطوة نحو التفكير القويم: ثلاثون ملمحًا في أخطاء التفكير وعيوبه
التفكير مطلب وضرورة إنسانية وفريضة شرعية، ومن دونه يفقد الإنسان إنسانيته، فبه يفهم الوحي ويعرف النفس والعالم والواقع والتاريخ، ولكن العقل لا يسلم من القصور والعقبات، فقد تسيطر عليه الانفعالات، وتؤثر به الرغبات والأهواء، مما يشوش رؤية الإنسان لواقعه، فيعجز عن إدراك المسائل الكلية، ويصعب عليه التفريق بين المهم والتافه وبين الآمن والخطير، فيتعامل بسوء تقدير في مختلف أموره الحياتية.
ولأجل تقويم العقل وإصلاح الفكر، يقدم لنا هذا الكتاب طريق التفكير القويم، الذي يركز على أهم الأخطاء الفكرية التي يقع فيها العقل في أثناء التفكير، وما يشوبه من عيوب ونقائص، ويسلط الضوء على طبيعة العقل وما يعترضه من التباسات.
مؤلف كتاب خطوة نحو التفكير القويم: ثلاثون ملمحًا في أخطاء التفكير وعيوبه
د. عبد الكريم بن محمد الحسن بكّار: كاتب سوري وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود، ويعد أحد المؤلفين البارزين في مجالات التربية والفكر الإسلامي. حصل على البكالوريوس من كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر وعلى الماجستير والدكتوراه من الكلية نفسها. من مؤلفاته:
طفل يقرأ.
القراءة المثمرة.
الانضباط الذاتي.
تكوين المفكر: خطوات عملية.
اكتشاف الذات: دليل التميز الشخصي.


