فن التأطير التليفزيوني للمعلومات

فن التأطير التليفزيوني للمعلومات
إن العمل الرئيس للتليفزيون الفرنسي هو جذب انتباه الناس لأحداث متفرقة قد تهم الجميع، كحياة النجوم الشخصية والجرائم الجنسية أو الحرائق والفيضانات والاغتيالات والغرائب والأبراج والمشاحنات بين الفنانين، وكل ما لا يصدم أحدًا ولا يؤدي إلى انقسام أو تكتلات اجتماعية، وباختصار إهلاك الوقت، بل إن التليفزيون في حالات غير قليلة -كما يقول بورديو- يقفز من تسجيل الواقع إلى تلفيق واقع آخر بالصور التي تتتابع في نسق يوحي بما يريدونه، لأن مبدأ الحياة جذب الانتباه إلى شيء آخر.

أيضًا يتلاعب الصحفيون بالأحداث المقدّمة عبر الشاشة وتُحجَب المعلومات لديهم من خلال تلاعبهم بالمصطلحات، وهي استراتيجية إعلامية معروفة يؤطَّر فيها جزء من الخبر على حساب أجزاء أخرى، لا يهم مَن فيها أولي ومَن ثانوي، أو أيهما يجب أن يوضع في الصفحة الأولى في المانشيت وأيهما يمكن أن يوضع في آخر صفحة، بل تُحدد وفقًا لأهداف خفية، فاستخدام مصطلح ثورة أو مجزرة والمبالغة في هذه المصطلحات تجذب اهتمام المشاهد وتسيطر على حواسه، وبذلك تُصنع من الأحداث غير المهمة أحداث مهمة جدًّا، لتحقَّق من هذا التلاعب أهداف خفيّة يصعب على المشاهد العادي ملاحظتها. ولتجنب الانخداع بهذا التلاعب، يقول بورديو إن علينا إعادة صياغة المصطلحات بنحو يشرح الصورة دون مبالغة،
حتى تصل إلينا المعلومة نقيّة دون مبالغة. إن الأخبار تُطَبَّع بالطابع الدراماتيكي، وتُحول من أخبار كان من المفترض أن يكون لها شروط مهنية وأخلاقية كالموضوعية والحياد إلى تراجيديا، وكيف يتم اللعب بمشاعر الأفراد، وكيف للكلمات أن تسبب الدمار والخراب. وهنا يُعرب بورديو عن رغبته في الوقوف عند كل كلمة يقولها مقدمو البرامج جاهلين خطورة ما تحتويه من مضامين تخلق لدى المتلقين تصورات وتخيلات خاطئة، وتبني داخلهم الخوف والهلع.
الفكرة من كتاب التليفزيون وآليات التلاعب بالعقول
يكشف بورديو القناع عن الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام -المرئية منها بشكل خاص- من تلاعب وتأثير في عقول المشاهدين، وكيف تشكل هذه الوسائل الأفكار والرأي العام بما يتناسب مع الجهات المهيمنة على الإعلام، ويجيب الكتاب عن عدد من الأسئلة المهمة، منها: لماذا التليفزيون دون بقية وسائل الإعلام؟ هل يمكن للمفكرين الامتناع عن المشاركة التليفزيونية؟ ولماذا يقبل العلماء والباحثون الاشتراك في البرامج؟ وكيف تُؤَطَّر المعلومات قبل أن تصل إلى المشاهدين؟ وكيف يزيف التليفزيون الحقائق؟ وكيف يتجنب المثقفون هذا التزييف؟
مؤلف كتاب التليفزيون وآليات التلاعب بالعقول
بيير بورديو: عالم اجتماع وفيلسوف فرنسي، ولد عام (١٩٣٠م) في جنوب فرنسا، درس الفلسفة في مدرسة المعلمين العُليا في باريس ونال فيها شهادة الأُستاذية في الفلسفة، ودرس في كلية الآداب في الجزائر واهتم بالدراسات الأنثروبولوجية والاجتماعية، كما درس الفلسفة في السوربون وأصبح مديرًا لقسم الدراسات في مدرسة الدراسات العُليا، ثم مديرًا لمعهد علم الاجتماع الأوربي، وانتُخِب لكرسي علم الاجتماع في “الكوليج دو فرانس”، مات في ٢٣ يناير (٢٠٠٢م).
أنتج بيير بورديو أكثر من 30 كتابًا ومئات من المقالات والدراسات التي ترجمت إلى عديد من اللغات في العالم من بينها اللغة العربية، منها:
– بؤس العالم مع آخرين.
– تأملات باسكالية.
– السيطرة الذكورية.
عن المُترجم:
درويش الحلوجي: تخرج في كلية العلوم جامعة القاهرة، وعمل في مجال البحث العلمي بالمركز القومي للبحوث العلمية بالقاهرة، ثم في المركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا.
وله عدد من الدراسات الأكاديمية، منها:
الانتفاضات الشعبية في مصر.
العنف السياسي الاجتماعي في مصر.