فاشية ما قبل الفاشية

فاشية ما قبل الفاشية
كانت الفاشية أحد نواتج الحرب العالمية الأولى والأزمة التي تلتها، غير أن هناك إرهاصات لها ظهرت في العقود التي سبقت عام 1914 غير كاملة النضج، أولها كان في ولاية تينيسي بعد فترة وجيزة من الحرب الأهلية الأمريكية، حينما أسس بعض الضباط الذين سُرِّحوا من الخدمة تنظيمًا للدفاع عن سيادة العرق الأبيض ضد ما اعتبروه تحيزًا من الحكومة للسود، وكان لهم لباسهم الخاص وطقوسهم الغريبة، وكانوا يقتلون السود، وربما وصل عدد أعضائها إلى نصف مليون قبل أن يحلها زعماؤها عام 1869.

ثم بدأت موجة ثانية من التنظيم حين صورته السينما على أنه المخلص الأول لأمريكا، ورغم تبشيره بكثير من سمات الفاشية فقد تميز عنه بدرجة من الفردية المعادية للدولة، ولو أردنا المزيد من الإرهاصات الفاشية الأولى الحقيقية فعلينا أن ننظر إلى أوروبا والمحيط الفكري والسياق الذي نشأت فيه الفاشية، ففي البداية أدى ظهور تخصصات جديدة في الجامعات مثل علم الاجتماع والسياسة وازدهار الأبحاث التخصصية البارعة إلى إقصاء علماء الطراز القديم من المشهد، فبات المحامون والأطباء تحديدًا الذين كانوا يسيطرون من قبل على الجامعات أكثر ميلًا إلى ادعاء الكفاءة وانجذبوا إلى الأفكار العنصرية والنفسية كاليوجينية التي تقترح تدابير سلبية كتعقيم غير الصالحين أو إيجابية كالتشجيع على إنجاب الأصحاء.
لقد استاء أصحاب المعارف الموسوعية من عدم اعتراف الأساتذة المتخصصين بهم واستعاضوا عن هذا الاعتراف المفقود بالسعي إلى تحقيق النجاح على الصعيد السياسي، واقترن سخطهم بتخوف من ازدحام المهن بالعاملين من اليهود والنساء، كما كانت هذه فترة الإمبريالية، حيث أدى تنافس القوى الكبرى على تقسيم الأراضي المستعمرة إلى إثارة التنافس القومي وتعزيز العنصرية، واهتم الناس بالانتخابات وظهرت أحزاب قومية كثيرة، وظهر معها عدد ضخم من الجماعات المناصرة لقضية بعينها، ولولا الحق في التصويت والوسائل التقنية للتنظيم في مجتمع ديمقراطي لما ظهرت الفاشية وازدهرت القومية.
إذًا فالفاشية الأولى كانت قوية في البلدان التي أقامت فيها الحركات القومية دولًا جديدة للتو، لا سيما ألمانيا وإيطاليا، اللتين بدأتا بتحويل الأشخاص العاديين إلى مواطنين وطنيين، بالإضافة إلى معاداة الاشتراكية وظهور الحركات الراديكالية اليمينية والحركات النسائية.
الفكرة من كتاب الفاشية: مقدمة قصيرة جدًّا
يزخر التاريخ بالعديد من المصطلحات والأحداث، منها الفاشية، فما هي، وكيف نشأت، وما الأفكار التي انبثقت عنها، وما الذي سبقها من تدبير؟ كل هذا وأكثر نعرفه في ضوء هذا الكتاب الذي يعد شرحًا لمصطلح الفاشية وأحداثه التاريخية وما صاحبه من أفكار وعداءات.
مؤلف كتاب الفاشية: مقدمة قصيرة جدًّا
كيفن باسمور: كاتب ومحاضر في مادة التاريخ في جامعة كارديف، حصل على درجة البكالوريوس في التاريخ الأوروبي الحديث والدكتوراه من جامعة وارويك، ومن بين مؤلفاته: “من الليبرالية إلى الفاشية: اليمين على أرض فرنسية”، و”تسجيل تواريخ وطنية: أوروبا الغربية منذ عام ١٨٠٠م”، و”المرأة والنوع واليمين المتطرف في أوروبا، ١٩١٩: ١٩٤٥م”.