سقوط الشاه وقيام الدولة الإسلامية

سقوط الشاه وقيام الدولة الإسلامية
بينما ظلت النزاعات الداخلية تتزايد بين الشاه والعديد من قوى المجتمع الإيراني، استمر الشاه في سياسته القمعية عندما أعلن «الثورة البيضاء» عام 1963، فهدد كبار الملاك الزراعيين بنزع ملكيتهم لأراضيهم، كما أنذر رجال الدين بسحب الأراضي التي بحوزتهم، وادعى أن ذلك بهدف إقامة إصلاحات زراعية وصناعية، ثم أصدر قرارًا بمنح المرأة حق الانتخاب، لكن جميع تلك الإصلاحات قوبلت بمعارضة ضخمة من رجال الدين وأصحاب الأراضي، وامتد هذا الاعتراض ليشمل الطلاب والعاملين والتجار والليبراليين والشيوعيين، ليقفوا صفًّا واحدًا ويهتفوا بـ”سقوط الشاه”.
قاد «الخميني» الثورة منذ اللحظة الأولى، واتحدت المؤسسة الدينية مع البرجوازيين أصحاب الأراضي والبازارت، وندَّد بجرائم الشاه وحرضَّ الجماهير على التظاهر والإضراب ضده، وعلى الرغم من نجاح الشاه في قمع المتظاهرين، فإنه حاول تهدئة الزعماء الدينين، فوعد بالرجوع عن قراراته، وعدم المساس بأراضي الأوقاف والطبقة الوسطى، وأعلن عزوفه التام عن التدخل في الشؤون التجارية، وسرعان ما توج انتصاره ذاك بالقبض على الخميني، وقرَّر إعدامه، إلا أن المرجع «آية الله شريعة مداري»، أعلى مرتبة الخميني إلى مرجع، إذ لا يمكن إعدام مرجع في الشيعة، فلَجَأَ الشاه إلى نفيه من إيران.
استتب الوضع للشاه إلى حدٍّ ما بعد هذه الأحداث، لكنه لم يدرك أن هذا الاستقرار النسبي يحمل معه عاصفة هادرة، ففي نهاية عام 1977 بدأت مرحلة جديدة لقلب نظام حكم الشاه، فبدأت إضرابات عامة بين المحامين والقضاة والكتاب وطلاب الجامعات، احتجاجًا على تقييد الحريات، ثم تصاعدت حركة الإضراب لتشمل موظفي الدولة والعاملين بالبنوك والمدرسين ورجال الصناعة وعمال مصانع البترول وغيرهم، للمطالبة بإعادة المنح السنوية للعمال وعودة الخميني وإلغاء الأحكام العرفية، ومعاقبة المسؤولين عن سفك دماء الثوار، ثم تجرأ المتظاهرون وطالبوا بخلع الشاه، وإقامة جمهورية إسلامية.
ومع تزايد حدة الأوضاع في الشارع الإيراني، وعلى الرغم من التعهدات الأمريكية والبريطانية للشاه، فإن الخارجية الأمريكية أصدرت تصريحًا في نهاية عام 1978م تعلن فيه “أن الولايات المتحدة لا تنوي التدخل في شؤون إيران بأي شكل من الأشكال” مما أنبأ الشاه أنه متروك لمصيره، ليغادر الشاه في يناير 1979 ويتجه إلى مصر، ويعود «آية الله الخميني» إلى رحاب الوطن في فبراير من العام نفسه، فتولى حكم البلاد وأعلن انتهاء عصر بهلوي.
الفكرة من كتاب تاريخ إيران السياسي بين ثورتين (1906 – 1979)
أعلنت إيران في عام 1979 قيام الجمهورية الإسلامية بقيادة المرجع والإمام الخميني، فكيف قامت الثورة الإسلامية في إيران؟ وما العوامل التي أدت إلى نجاحها؟
لقد تمسكت فئات الشعب على اختلافها من ليبراليين وشيوعيين وغيرهم بتلك الثورة لإسقاط الدولة البهلوية آخر الدول قبل قيام الثورة، لتكون الثورة الإسلامية أهم حدث في تاريخ إيران الحديث، التي تعيش حتى الآن في ظل النظام الذي ساد بعدها، ولكي تتضح صورة هذا النظام السياسي، علينا أن نلِج في تاريخ إيران، لندرك زخم الأحداث السياسية التي مرت بها إيران بين عامي 1906 و1979، ففي عام 1906 كانت الثورة الدستورية التي خرجت ضد القهر الذي مارسته الأسرة القاجارية على فئات الشعب المختلفة، لنبصر ما أحدثته تلك الثورة من تغيير جذري جعلها من أهم المنعطفات في تاريخ إيران الحديث، وما أعقبها من محاولات لبناء دولة مدنية في عهد الأسرة البهلوية، والصراع السياسي الداخلي بين مصدّق ورضا بهلوي وما أعقب هذا الصراع من تنامي المعارضة حتى قيام الثورة الإسلامية عام 1979 التي رسمت طبيعة إيران إلى وقتنا الحالي.
مؤلف كتاب تاريخ إيران السياسي بين ثورتين (1906 – 1979)
آمال كامل السبكي: أستاذة التاريخ الحديث والمعاصر، ورئيسة قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة بنها بمصر، حصلت على الدكتوراه في التاريخ من جامعة القاهرة عام 1969، ولها العديد من المؤلفات الهامة، منها:
التيارات السياسية في مصر ( 1919 – 1952).
أوربا في القرن التاسع عشر: فرنسا في مئة عام.
الاستراتيجية الأمريكية في المشرق العربي.
سعد زغلول والكفاح السري.





