رُسُل الأنوار.. قانون تفرضه المجتمعات

رُسُل الأنوار.. قانون تفرضه المجتمعات
هناك الكثير من المكاسب التي يجنيها المرء حين يضع نفسه ممثلًا للحرية ورسولًا للقيم العليا، يعترينا في الحال شعور بالرضا والعلو، نحن الذين أحرقنا أنفسنا على مذبح الأنوار في سبيل إعلاء القيم الليبرالية، ودائمًا ما يُثار نقاش ساخن عن الرقابة وحرية التعبير في أوساط الصحف الأوربية في كل مناسبة يكتب فيها صحفي ما مقالًا مسيئًا أو يُرفق صورًا مسيئة للرسول ﷺ، حينها يدافع هؤلاء الصحفيون عن فعلتهم بأنها ثورة ضد الرقابة وتحدٍّ لكل القيود التي من شأنها كبت آرائهم أو حريتهم، لكن وفي خضم هذه التضحية وبينما يشعر هؤلاء الصحفيون بأنفسهم يقتربون من مكانة فولتير وكانط، لم يسأل أحد في وجه من بالضبط يثور هؤلاء الصحفيون؟ أي سلطة يتحدونها وأي خطر يحيق بهم؟ ففي الوقت الذي اضطهدت فيه الكنيسة مفكري القرون الوسطى، يحظى هؤلاء الصحفيون بكل تصفيق ودعم من حكوماتهم وأحزابهم السياسية، فما المبدأ الثابت والمقدس الذي انتهكه هؤلاء الصحفيون في مجتمعهم عندما يسيئون إلى الإسلام؟
تُحاط الأقلية المسلمة في البلدان الأوربية بكثير من القلق وعدم الترحيب، وكذلك فهي ربما الأكثر تعرضًا للإساءة لمقدساتها ورموزها، ففي الوقت الذي وضعت فيه الحكومة الدنماركية قوانينها المحددة لمن يسيء إلى مذهبها البروتستانتي، ويُسجن الكتاب والمؤرخون المشككون في المحرقة النازية لليهود، بإمكان أي كاتب مبتدئ أن يطلق لسانه في أوصاف المسلمين وسيحظى بدعم زملائه وتسامح حكومته مع تلك الإساءات، ويبدو الفارق جليًّا بين هذا وبين انتقاد أيديولوجيا تؤمن بها أغلبية ما، ربما يسعنا أن نسمي هذا عملًا شجاعًا، لكن الإساءة لمجموعة مهمشة في مجتمع غريب، أمر لا يمكن تفسيره إلا في إطار الحقد وكراهية الأجانب، إنه فعل بربري بلا شك.
يتذرع هؤلاء بالحرية التي يكفلها لهم القانون لقول ما يريدون، غير أن بين حرفية القوانين وكيفية سيرها مع المجتمع مسافة كبيرة، فالعلاقات التي تنشأ بين مختلف الأقليات والمجتمعات داخل البلد لا شك أنها تحد جزءًا من هذه الحرية، فمثلًا لن يستهزئ أحد بالبُدن والعجائز رغم ألا قانون يُحرم هذا مباشرة، ومن واجب أولئك الصحفيين أن يتحلوا بالمسؤولية ويتساءلوا عن جريرة أفعالهم على مجتمعهم واندماج الأقليات بداخله.
الفكرة من كتاب الخوف من البرابرة: ما وراء صدام الحضارات
بعد الحرب العالمية الثانية، لم يبقَ العالم على صورته الأولى، فبعد أن كان الصراع واضحًا بين الدول التوسعية والديمقراطيات الغربية، تحول هذا الصراع إلى حرب باردة امتدت نصف قرن بين الاتحاد السوفيتي والعالم الحر، وبدا أن العالم سيستمر على هذه الصورة طويلًا، لكن في نهاية القرن ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، عاد الأمل من جديد إلى المراقبين في عالم خالٍ من الصراع وشاخص إلى المستقبل.
لم تستمر هذه الأحلام لمدة طويلة، فبعيدًا عن طرفي النزاع، كان هناك طرف آخر لم يجد محل قدم في العالم الجديد، فقد دخلت دول العالم الثالث إلى القرن الحادي والعشرين، وشعوبها تتنازعهم مشاعر الحقد على دول الغرب التي سلبتهم كل شيء وأخضعت بلدانهم، وفي ظل عصر تكنولوجي غير مسبوق، أصبح بوسع كل فرد أن ينتقم لنفسه وأن يؤلم العدو، فلم تعد الحروب مقصورة على الجيوش، وأصبح العالم على شفا صراعات جديدة في كل بقعة من أراضيه.
مؤلف كتاب الخوف من البرابرة: ما وراء صدام الحضارات
تزفيتان تودوروف: فيلسوف فرنسي بلغاري، ومؤرخ وباحث، ولد في بلغاريا عام 1939م، يتولى منصب مدير أبحاث بمرتبة الشرف في «المركز الوطني للبحوث العلمية»، ورغم تخصصه الأدبي، انصب اهتمامه على الأحداث المفصلية في التاريخ وقدم تفسيرات مختلفة لأسباب الحروب في عالمنا، عمل تودروف أستاذًا زائرًا في عدد من الجماعات، مثل هارفارد وكولومبيا، كما حصل على العديد من الجوائز أبرزها جائزة الأكاديمية الفرنسية، ومن أبرز مؤلفاته:
الأدب في خطر
الأمل والذاكرة: خلاصة القرن العشرين
عن المترجم:
جان ماجد جبور: كاتب وباحث ومترجم، حصل على الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة السوربون في فرنسا، كما عمل أستاذًا في الجامعة اللبنانية بقسم اللغة الفرنسية
ومن أبرز مؤلفاته:
الشرق في مرآة الرسم الفرنسي.
النظرة إلى الآخر في الخطاب الغربي.


