جذور المسألة اليهودية

جذور المسألة اليهودية
تنتظم العلاقات بين الدول وفق قانون المصالح، فالمصلحة هي دين السياسة، ولا تتورَّع عن استخدام أي وسيلة للوصول إلى غاياتها، وهذا ما عرف لاحقًا بالميكافيلية في أبشع صورها، ولكن يخطئ البعض حينما يعمل على تحليل الظواهر السياسية اليوم دون الرجوع إلى جذورها الضاربة في أعماق التاريخ، فالحاضر بلا شك هو الابن الشرعي للأمس، ولذا فالتاريخ هو بوتقة الأفكار التي تجمَّعت فيها العناصر السياسية والاقتصادية، بل والاجتماعية والعقائدية المختلفة، ومن هنا تتكون أيديولوجيا الجماعات، ومن ثمَّ سلوكها ونظرتها إلى الأغيار وتعاطيها مع الاندماج المجتمعي.

وإذا أمعنَّا النظر في بانوراما تاريخ الجماعات اليهودية نلاحظ عددًا من المعالم الواضحة التي ألقت بظلالها على تشكيل الشخصية اليهودية ونشأة الحركة الصهيونية فيما بعد، فاليهود دائمًا ما اشتهروا بالعمل في التجارة لا سيما عمليات الإقراض بالربا، وساعدهم على ذلك الظرف المجتمعي الراهن آنذاك، لا سيما بعد السبي البابلي والتناحر بين الملوك والكنيسة، كما أن الشتات اليهودي وتفرُّقهم بين الدول المختلفة وعدم قبولهم الانصهار بين مجتمعاتهم جعلهم يستهدفون العيش في مناطق منعزلة عن غيرهم، وتكوين نظرة عدائية تجاه المجتمعات الأخرى.
ونتيجة لتلك العلاقة بين اليهود ومجتمعاتهم نشأت المستعمرات الأشبه بالإقطاعيات في العصور الوسطى، فأقام اليهود في أحياء خاصة بهم أُطلق عليها مصطلح “الجيتو”، وما زالت بقاياها موجودة إلى اليوم كحارة اليهود في مصر على سبيل المثال، فكانت تلك المناطق أشبه بمراكز يهودية خالصة منغلقة على مواطنيها، وتحكمها قواعد مجتمعية خاصة اتسمت بالتمايز الطبقي حتى في دور العبادة وممارسة الطقوس والشعائر الدينية، والتي أسهمت في تشكيل الوعي اليهودي ونظرته المجتمعية إلى الآخر، فبفعل التفسير الأحادي والتحريف المستقطب للنصوص التوراتية نشأ نوع من الاستعداد النفسي للعزلة المجتمعية، ومن ثَمَّ تقبُّل الفكرة الصهيونية بعد ذلك.
الفكرة من كتاب الأيديولوجية الصهيونية
“أن تعرف عدوَّك خير لك من أن تظل تُحدث نفسك”!
نجح اليهود بلا شك في شقِّ الصف العربي وزرع أنفسهم بين نسيجه الممتد من المحيط إلى الخليج، وتظل قضية فلسطين القضية المحورية الأولى التي تفرَّع عنها كثير من المشكلات الأخرى المصطنعة، ومع تطوُّر الأحداث بشكل رهيب واعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالقدس عاصمة موحَّدة لإسرائيل إبان عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، وكذا عملية التطبيع التي جرت بين عدد من الأنظمة العربية وإسرائيل، يصبح من المهم الآن سبر أغوار تلك الحركة الصهيونية وفهم أبعاد المسألة اليهودية من الجذور، وهذا هو موضوع الكتاب الذي بين أيدينا.
مؤلف كتاب الأيديولوجية الصهيونية
عبد الوهاب محمد المسيري (1938 – 2008): مفكر وعالم اجتماع مصري، التحق بقسم اللغة الإنجليزية كلية الآداب جامعة الإسكندرية وتخرج عام 1959 وعُيِّن معيدًا فيها عند تخرجه، سافر إلى الولايات المتحدة، حيث حصل على الماجستير في الأدب الإنجليزي المقارن من جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك، وعلى الدكتوراه من جامعة روتجرز نيوجيرسي، وعمل بالتدريس في جامعة عين شمس وعدة جامعات عربية، وكان عضو مجلس الخبراء في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ومستشارًا ثقافيًّا للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة في نيويورك، وكذلك كان عضو مجلس الأمناء بجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية ببليسبرغ، بولاية فرجينيا في الولايات المتحدة الأمريكية.
يعد واحدًا من أبرز المؤرخين العالميين المتخصصين في الحركة الصهيونية، وصدرت له عشرات الدراسات والمقالات عن إسرائيل والحركة الصهيونية، منها: “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية”، و”الجماعات السرية في العالم”، و”العنصرية اليهودية”.