
تريّث
في مواجهة موسى مع سحرة فرعون قرر موسى أن يكون السحرة هم البادئون وهو التالي، ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾، ليس تراجعًا منه أو ترددًا، بل لأنه أراد أن يستعرضوا أقصى قوتهم فيرد عليهم بقوة تردعهم، وألقى عصاه فإذا هي حية تسعى، فما كان من الحضور إلا أن رددوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾، فلا تحرق كروتك بشرارة حماسٍ واحدة، ولا تخرج ما في جعبتك في نفضة واحدة، وتذكر أن الهدف ليس الانبهار، بل الانتصار.

بينما كان موسى في طريق ارتحاله من مدين بعدما قضى الأجل، لمح في طريقه دخان نار مشتعلة، فأراد أن يذهب ويستطلع أمر النار ومن أشعلها فقال لأهله ﴿امْكُثُوا﴾ ورفض أن يصطحبهم معه، فتأمل التريث وحكمة التصرف إذ خشي أن يكون خلف الأمر خطر فلم يغامر بأهله لأنه علم منذ الوهلة الأولى أن الأسرة شيء لا يعوض، كما قال امكثوا ولم يقل أقيموا، لأنه لم يكن ينوي أن يطول بقاؤه، بل مجرد استكشاف لما وراء النار وسيعود معهم.
وعندما أوحى الله إلى نبيه موسى -عليه السلام- أن هناك من هو أعلم منه في الأرض، وهو رجل يسمى “الخضر” مكانه في “مجمع البحرين”، قرر موسى أن يبحث عنه بصبر وتريث وإن استمر البحث دهرًا من الدهر، وعقد العزم قائلًا: ﴿لآ أَبْرَحُ حَتَّيٰٓ أَبْلُغَ مَجْمَعَ اَ۬لْبَحْرَيْنِ أَوَ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾، وهذا درس آخر في التريث، أن لا حياد عن الطريق حتى بلوغ الهدف، مهما تقطعت السبل أو شق عليك السير، فجميع من يعرفهم التاريخ اليوم كانوا عاديين لولا صبرهم على ما ألمّ بهم حتى وصلوا.
الفكرة من كتاب إلى الظل: قوانين للحياة
قصة دعوة نبيّ الله موسى -عليه السلام- من أقرب قصص الأنبياء إلى قلوب العباد، لأنها تلمس زلات المرء وضعف حيلته لولا إرشاد الله ومعيته له.
ومن خلال رحلتنا مع كتابنا نستخلص قيمًا وقوانين تؤوينا إلى الظل حيث تخطّي الهفوات ومعالجتها، فلكل موقف في حياة موسى -عليه السلام- حكمة يرسلها لنا الله على هيئة قصة، فلا نبرحها حتى نبلغ المقصد ونحفظه عن ظهر قلب.
مؤلف كتاب إلى الظل: قوانين للحياة
علي بن جابر الفيفي: حاصل على درجة الماجستير في تخصص الدعوة، يعمل محاضرًا في قسم اللغة والشريعة في كلية البرامج المشتركة بالمحالة، له أبحاث علمية مميزة في هذا المجال.
من أهم أعماله:
الرجل النبيل، لأنك الله، سوار أمي، حلية الوقار.