تجلِّيات الأبارتهايد المعاصر

تجلِّيات الأبارتهايد المعاصر

قد يقول قائل إن تلك الأحداث هي من بنات الماضي، وقد تم تجاوزها بعد انتهاء عصر الإمبراطوريات واستقلال الشعوب وحصولها على حرياتها، إلا أن الوضع الحالي في الكثير من البلاد التي كانت إمبراطورية في يوم من الأيام لا يدل على انتهاء الأبارتهايد بشكل كامل، أقوى دليل على ذلك الأصوات التي تنادي بشرعنة الإرث الاستعماري واعتبار أنه كان فاتحة خير على الشعوب المستعمَرة، وأن “الأحداث” التي تمَّت من قتل وتمييز كان لا بد منها لتمدين تلك الشعوب، مع الإشارة إلى كون الشعوب التي قبلت الاستعمار قد حقَّقت نتائج أفضل من تلك التي رفضته وقاومته، وإدراج هذه الأفكار في البرامج الأكاديمية كما فعلت جامعة أوكسفورد الإنجليزية عندما أطلقت مشروع “علم الأخلاق والإمبراطورية” الذي يهدف إلى الموازنة بين منافع الاستعمار ومضاره، وعلى المستوى الشعبي يرى قرابة ثلثي سكان بريطانيا أن الإرث الاستعماري البريطاني شيء يدعو إلى الفخر، وأن الاستعمار أتى بنتائج طيبة على الشعوب المحتلة.
وعلى المستوى الفعلي، فكل البلدان الغربية تسري فيها العبودية بأشكال جديدة، ضحاياها أبناء العالم الثالث تحت وطأة الأعباء الاقتصادية والاجتماعية، منها العمل القسري والاستغلال الجنسي والزواج القسري، وليس أدل على سوء الأحوال في الدول الأوروبية من قول “جيمس بروكنشاير” وزير الدولة لشؤون الأمن بوزارة الداخلية البريطانية تعليقًا على حادث احتجاز زوجين بريطانيين لثلاث سيدات لظروف عبودية لمدة تزيد عن ثلاثين سنة في منزلهم بجنوب لندن، يقول: “إن العبودية هي ملف كان الناس يعتقدون أنه خاص بكتب التاريخ، والواقع المحزن أنها لا تزال منتشرة إلى اليوم”.
أنتج التلفزيون البريطاني في بداية القرن الحالي سلسلة وثائقية تتتبَّع أحوال الدول الأفريقية بعد نصف قرن من الاستقلال، ركز البرنامج على الجوانب السلبية في الدول الأفريقية من أوبئة وحروب أهلية وفقر، هذه المواد الإعلامية بحسب الكاتب بمثابة حنين من الدول الاستعمارية إلى ماضيها الاستعماري وتأكيد لاعتقادهم بأن الدول الأفريقية لن تقوم لها قائمة من دونهم، وهذا الطرح يغفل عن نهب ثروات تلك البلاد، وأن حالة عدم الاستقرار المستمرة تتم بتدبير وموافقة القوى الاستعمارية.
الفكرة من كتاب الأبارتهايد.. دراسة في الجذور التاريخية والثقافية لمفهوم الفصل العنصري
يحاول المؤلف في هذا الكتاب فهم مصطلح “الأبارتهايد” في سياق علاقة الكولونيالية الأوروبية والأمريكية مع البلدان المستعمرة ولا سيما في أفريقيا، كما يبين الخلفية الأيديولوجية للعنصرية الغربية وطريقة اشتغالها وارتباطها الوثيق بالحركات الاستعمارية لتصبح أطروحة الأبارتهايد أداة سياسية لإدارة المستعمرات.
مؤلف كتاب الأبارتهايد.. دراسة في الجذور التاريخية والثقافية لمفهوم الفصل العنصري
الدكتور حميد لشهب كاتب ومترجم مغربي، حصل على درجة دكتوراه قسم الفلسفة من جامعة ستراسبورغ الفرنسية سنة 1993، وحصل كأول باحث عربي على الجائزة العالمية “إريك فروم” لسنة 2004، له دراسات ومقالات عديدة في الميدان الفلسفي والسيكولوجي والسياسي