بين الغزو والفتح

بين الغزو والفتح
على امتداد ألف عام بين الغزو والفتح الإسلامي مرَّت مصر بتضييق ديني حضاري فقدت معه كثيرًا من تراثها ولغتها وتوحيدها الخالص، فحين جاء الغزاة بقيادة الإسكندر الأكبر ألغوا العاصمة الأصلية “منف” التي بناها الملك مينا وبنوا بدلًا منها مدينة الإسكندرية لتكون هي العاصمة الجديدة، ثم سار الإغريق على نهج الهكسوس فاتخذوا مدينة أخرى ترمز إلى استعمارهم وهي مدينة “أواريس”، ولقد طوت الحضارة الإغريقية صفحة الحضارة المصرية الشرقية الموحَّدة، وطوت اللغة والدين والحضارة لتكتب فصلًا جديدًا مظلمًا.

لقد زاحمت اللغة اليونانية اللغة المصرية الحافظة لتراث الأمة وذاكرتها حتى طردتها عن الساحة، فاضطر الكتبة المصريون منذ حكم الإغريق إلى استعمال الحروف اليونانية لكتابة اللغة المصرية حتى لم يبقَ سوى سبعة أحرف لم يجدوا لها مثيلًا أو نظيرًا في اللغة اليونانية، أما عن الدين فقد طوَّعوا النصرانية الصحيحة لحضارتهم الإغريقية حتى اضطر المصريون إلى الحفاظ على دينهم الذي هو أعز ما يملك الفرد إلى دفن أناجيل التوحيد في مقابر “نجع حمادي”، وقد ظلت المقاومة المصرية للمذهب البيزنطي ملحوظة حتى بعد أن قبلت الكنيسة المصرية الدين البيزنطي النصراني المحرِّف الذي فرضه قانون الإيمان البيزنطي المستعمِر على كل الكنائس، وذلك مما أثار حقد البيزنطيين وحنقهم على المصريين طيلة الوقت.
وظلَّت مصر في فراغ ديني فترة من الزمن حتى جاء الإسلام فملأ هذا الفراغ لتنخرط مصر في الدولة الإسلامية، بل في العمل والدين واللغة انخراط عمل وتبنٍّ لا اعتقاد وانتماء فقط، فكانت حامية للدين واللغة متبنية لعلوم الشريعة والحضارة الإسلامية، ومثَّلت التديُّن في صورته الوسطيَّة وأبدعت في مختلف المجالات الشرعية والمدنية لتستعيد بذلك عافيتها بانتمائها إلى الحق والهدى ودفاعها عنه قولًا وفعلًا وتعلُّمًا وتعليمًا.
الفكرة من كتاب عندما دخلت مصر في دين الله
“لقد دخل الجيش الإسلامي إلى مصر، فميَّز فيها بين الأمة المقهورة التي أمَّنها وحرَّرها وأحياها والتحم بها وبين الدولة القاهرة التي حاربها وطوى صفحة استعمارها لمصر وقهرها للمصريين”.
عن مصر منذ القدم واستقبالها للأديان والفتوحات الإسلامية من بعدها، ووقوعها محط أنظار المستعمرين قديمًا وحديثًا يأخذنا الكاتب في جولة تاريخية حول أرض الكنانة.
مؤلف كتاب عندما دخلت مصر في دين الله
محمد عمارة مصطفى عمارة: ولد في الثامن من ديسمبر عام 1931م، وتُوفِّيَ في الثامن والعشرين من فبراير عام 2020م، وهو مفكر إسلامي مصري، ومؤلف ومحقِّق وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، وعضو هيئة كبار علماء الأزهر، وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، ورئيس تحرير مجلة الأزهر حتى عام 2015.
ترك ميراثًا كبيرًا من الكتب يزيد على 140 كتابًا، منها تحقيق الأعمال الكاملة لعدد من أبرز الكتَّاب مثل الطهطاوي ومحمد عبده والأفغاني، كما ألَّف عن أعلام التجديد الإسلامي وعن التيارات الفكرية الإسلامية قديمًا وحديثًا، ومن أبرز مؤلفاته: “الحملة الفرنسية في الميزان”، و”معالم المنهج الإسلامي”، و”الإسلام والمستقبل”، و”القدس بين اليهودية والإسلام”، و”مقومات الأمن الاجتماعي في الإسلام”.