المغالاة في العقلانية وعبادة السببية

المغالاة في العقلانية وعبادة السببية
إن الإنسان بحاجة إلى يقين يشد أزره أمام مِحن الحياة وتقلباتها، وشحنة من الإيمان أكثر صلابة وثباتًا من منطقه العقلي مهما بلغت درجة اتزانه، وإنَّ تغليب جانب السببية على جملة المعتقدات والمبادئ والعواطف يجعل الحياة آلية بشكل لا يُطاق؛ والغريب أن هذه الحالة شائعة غالبًا في ذوي الثقافة العالية!

كذلك فإنَّ المبالغة في استخدام العقل قد تُحيل الإنسان إلى مريض نفسي! وعلاج مثل هذه الحالات يتم بتكليفها بأعمال شاقة عديمة الجدوى! لإعادة اتزان قوى التسبيب في مجموع شخصياتها، ويحول طاقتها نحو الخارج، إذ إننا نظفر بالسعادة حتى لو اقتطف غيرنا ثمار أعمالنا، فهذه المرأة التي ترعى أسرة كبيرة وتجاهد في إشباع رغباتها هي امرأة سعيدة، وأصحاب الحرف البسيطة والأشغال المتواضعة يحسنون صناعة السعادة.
فالحياة ليست مبنية على المنطق كما يزعم بعض الفلاسفة، والتفكير ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لنكيِّف شخصياتنا وفق قيم الحياة وأغراضها التي لا ندرك كنهها، وكما أن الأسنان خُلقت لتقطيع الطعام لا لمضغ نفسها، فكذلك العقل وُهِب للعيش به لا للعيش من أجله، وخلاصة القول إن للكون قوة تُسيِّره هي الله، وهو قوة عليا تتجاوز الحد الأقصى لجميع المخلوقات البشرية ولو ادَّعت الإلمام بكل ما في الكون من معارف فلن تتعدَّى حدوده بحال، فالإيمان بقدرات العقل مطلوب ومهم بشرط أن يقف عند مستوى عطائه الخلقي، والإنسان مجبول على الإيمان بعقيدة ما حتى لو كانت خرافة فهي أفضل من عدم الإيمان بشيء والإلحاد مرض عقلي، لكن الإيمان بالله الصادر عن القلب المراعي لحدود فطرته المجبول عليها يحمي الإنسان من العقائد المهترئة التي تمنِّيه بالزيف وتزين له الباطل، والعقل المسلح بالإيمان هو عقل قوي جبار لا يهزأ بقيمه الدينية ولا يطلق العنان للخرافات.
الفكرة من كتاب العودة إلى الإيمان
كان لتجارب هنري لنك في ميدان علم النفس أثر كبير في عودة الناس إلى حظيرة الإيمان، وكانت طقوس الدين وتعاليمه من الوسائل الناجعة والرئيسة في علاج مرضاه حتى مِن قبل أن يتحول عن الإلحاد إلى الإيمان مرة أخرى، وفي هذا الكتاب توضيح للأثر المادي للدين في الحياة وعلاقة الإيمان بتكوين الشخصية السوية والوصول إلى السعادة المنشودة.
مؤلف كتاب العودة إلى الإيمان
الدكتور هنري لنك (Henry C. Link): طبيب نفسي وأحد فرسان علم النفس التجريبي، وُلد عام ١٨٨٩، وحصل على الدكتوراه من جامعة بيل بأمريكا عام ١٩٢٦، وابتكر العديد من الاختبارات النفسية كالذكاء وبناء الشخصية، كما تولى إدارة مركز الخدمات النفسية لاختبارات استعداد الأشخاص، وتوفي عام ١٩٥٢.
ومن أهم مؤلفاته: “العودة إلى الإيمان”، و”كيف تنمي شخصيتك”.