المخ العقلاني

المخ العقلاني
عَرَفنَا أهمية المشاعر في اتخاذ القرارات وأن المخ العاطفي له دور كبير في كثير من القرارات التي نتخذها، ولكن ماذا سيحدث لو كان المخ العاطفي هو المُتحكم في سير حياتنا؟
أتيحت لنا فرصة اكتشاف نمط الحياة الذي يُمكن أن نتبعه لو كان مخنا العاطفي هو المتحكم في إدارة القرارات، من خلال دراسة طبيب الأعصاب «كينيث هيلمان Kenneth Heilman» التي تناولت حالة «ماري Mary» الفتاة الذكية التي كان يُتوقع لها مستقبل باهر، ولكن انهارت التوقعات بشأن مستقبلها بعد أن تحولت سلوكياتها بشكل يختلف عمّا كانت عليه، فأدمنت المخدرات، وبدأت التغيب عن دروسها، وأصبحت تتخذ قرارات متهورة.
في البداية أجرى هيلمان مجموعة من الاختبارات البسيطة لاكتشاف أين تكمن مشكلة ماري، فوضع قلمًا وورقة أمامها وطلب منها أن تبقي يديها ثابتين، ولكنها بدأت في الكتابة بصورة تلقائية، وبعد كتابة بضع جمل بدأت بالبحث عن مصدر إلهاء جديد، كل هذا جعل هيلمان يعتقد أن ماري تُعاني مشكلة في القشرة الجبهية الأمامية المسؤولة عن التفكير العقلاني وكبح الاندفاعات، وللتأكد من هذا الاستنتاج أجرى تصويرًا بالرنين المغناطيسي، فرأى كتلة كبيرة من الغدة النخامية (ورمًا) تضغط على القشرة الجبهية الأمامية سببت هذا الخلل لدى ماري.
ألقت حالة ماري الضوء على أهمية تنظيم المشاعر وعدم الانسياق وراء المشاعر السلبية التي تُثيرها “اللوزة المخية المنفعلة | amygdala” حينما نكون في موقف يحتمل الخسارة، لأننا في غالب الأمر لا نكون في موقف خسارة ولكن بسبب صياغة الموقف، أي التفكير في احتمال فقد شيء ما، تُستثار تلك المنطقة فنتخذ قرارًا غير عقلاني، وهناك جزء مهم يُساعد القشرة الجبهية في عملية تحليل المعلومات واختيار قرار أفضل تم اكتشافه مؤخرًا وهو “الذاكرة العاملة | working memory” حيث تحتفظ بالمعلومات في تخزين قصير المدى، وهذا يُساعد الخلايا القشرية على مُعالجة المعلومات القديمة والتوصل إلى قرارات وحلول مبتكرة.
ونتيجة لهذه المزايا التي يمنحنا إياها التفكير العقلاني، قد يُفضل البعض اتخاذه وسيلة دائمة لاتخاذ القرارات، ولكن قبل فعل هذا الأمر يجب معرفة الضرر الذي يمكن أن يصيب الشخص نتيجة الاعتماد على التفكير العقلاني، والذي يُعرف “بالاختناق” إذ يُسبب التفكير العقلاني المُفرط مشكلات جسدية نتيجة تداخل عمليات التفكير المقصودة مع الحركات المتمرسة للعضلات، وقد حدث هذا مع «فان دي فيلدي Jen Van de Velde» أشهر حالات الاختناق في عالم الرياضة، ولا تقتصر مشكلات التفكير المُفرط على الجسم فقط، بل تؤثر أيضًا في عملية اتخاذ القرار إذ يفقد المرء القدرة على معرفة ما يُريد.
الفكرة من كتاب كيف نقرر: أنظمة عمل المخ وآلية تشكيل السلوك
هل تساءلت يومًا كيف يعمل عقلك في أثناء اتخاذ القرارات عندما تواجه خيارات عديدة يحمل كل منها عواقب مختلفة؟ وعلى أي أساس يميل إلى تفضيل خيار على آخر؟ في هذا الكتاب ننطلق في رحلة لاكتشاف الأسرار الكامنة وراء كيفية تشكيل السلوكيات واتخاذ القرارات، سنتعرف الأنظمة الدماغية المسؤولة عن عملية اتخاذ القرار وكيف يتفاعل بعضها مع بعض، وكيف يمكن لاضطرابات التوازن العصبي أن تؤدي إلى سلوكيات غير متوقعة، مما يوفر لنا فهمًا أعمق عن الآليات التي تحكم تفكيرنا وتصرفاتنا، وتُمكننا من تحسين جودة قراراتنا.
مؤلف كتاب كيف نقرر: أنظمة عمل المخ وآلية تشكيل السلوك
جونا ليرر: كاتب وصحفي علمي أمريكي، وُلد في 25 يونيو 1981م في لوس أنجلوس، وحصل على درجة البكالوريوس في علم الأعصاب من جامعة كولومبيا، كما درس في جامعة أكسفورد ضمن منحة رودس «The Rhodes Scholarship»، وسبقت له الكتابة في عدة مجلات، منها مجلة «The New Yorker» و«Nature»، اشتهر بكتبه ومقالاته التي تتناول موضوعات في العلوم العصبية وعلم النفس.
من مؤلفاته:
Imagine: How Creativity Works
Proust Was a Neuroscientist
Mystery: A Seduction, A Strategy, A Solution
عن المترجمة:
رنا أبو الأنوار.



