السياسة.. فن المناورة

السياسة.. فن المناورة
إن لعبة السياسة تتركَّز في قدرة الأطراف المختلفة على إبداع وخلق البدائل التي تُمكِّنهم من التعامل مع المواقف المختلفة وتحقيق أهدافهم، وهي غالبًا في بلدان عالمنا الثالث ما تكون منحصرة بين طرف قوي وطرف ضعيف، هذا الطرف الضعيف يكون لديه خيارات إما أن يُذعن للقوي، وإما أن يتنازل، أو يتجنَّب الدخول في صراع مع الطرف الأقوى، وإما أن يكون عليه المواجهة، وأيًّا ما كانت هذه الخيارات فهي ليست شرًّا كلها بالنسبة إلى الطرف الأضعف، فالإذعان والتنازل ليس دائمًا خطأ، بل الأهم هو تحديد عن ماذا يتنازل؟ ومتى وكيف؟

في المقابل فإن الطرف الأقوى في العملية السياسية لديه عدة خيارات تتراوح بين إزالة الخصم والقضاء عليه، وتجنُّبه أو استيعابه داخل المنظومة السائدة، أو حتى التحالف معه إذا كان سيشكِّل قوة أكبر من قوة طرف ثالث يواجهه، كما يُمكن مُهادنة الطرف الضعيف بأخذ استراحة قصيرة لترتيب الأوراق، أو ربما عليه أن يُشاغل الطرف الضعيف حتى لا يكون في وضع مريح يمكنه من إعادة بناء قوته، وقد يلجأ الطرف الأقوى لتوظيف الطرف الآخر لإتمام بعض المهام، حتى إذا أتمَّها قضى عليه.
وإذا كانت اللعبة السياسية تقتضي فهم أوراق القوة وبدائل الحركة المُمكنة، فإن فهم الطرف السياسي عُقدة الصراع يؤثِّر بشكل محوري في تحرُّكاته، فعُقدة الصراع هي النقطة الجوهرية التي تُحدِّد رؤية وهدف كل طرف من وراء الصراع، فعلى سبيل المثال: فهم رجال الأحزاب أصحاب الخلفيات الإسلامية في تركيا أن عُقدة الصراع في طريق استمرارهم في الحكم هي علمانية الدولة، والمؤسَّسة العسكرية، وطبيعة الوضع الدولي الذي يدعمهما، ومن ثم وضعوا أهدافهم وتحرَّكوا على هذا الأساس حتى تمكَّنوا من السلطة.
الفكرة من كتاب قواعد في الممارسة السياسية
إن هذا الكتاب -وبعكس الكثير من الكتب السياسية التي إما أن تمدح هذا الفن وتلك الممارسة، وتمدح المُشتغلين في المجال السياسي، وإما أن تذمُّه، وتذمُّ المُشتغلين فيه وتصفهم بأشنع الأوصاف- يقدِّم رؤية متوازنة حول قواعد ممارسة العمل السياسي، فهو ليس كتابًا عمليًّا يغوص بك في عالم المفاهيم والنظريات المُعقَّدة، وإنما كتاب يُرشدك إلى أسس فهم عالم السياسة في حركته من منطلق علمي مُبسَّط.
مؤلف كتاب قواعد في الممارسة السياسية
جاسم سلطان: طبيب ومؤسِّس مشروع النهضة: سلسلة أدوات القادة، من مواليد قطر 1965، ترك الطب ليتفرغ للإجابة عن سؤال كيف ننهض؟ فأخذ رحلة علمية بين العلوم الاجتماعية والإنسانية والإسلامية لاقتناعه بمحوريتها في أي مشروع للنهضة، فألَّف مجموعة من كتب المبادئ الأولية، وأعطى عددًا كبيرًا من الدورات لفهم السياسة والاقتصاد والجغرافيا والفلسفة.
من أبرز مؤلفاته: فلسفة التاريخ: الفكر الاستراتيجي في فهم التاريخ، وقوانين النهضة: القواعد الاستراتيجية في الصراع والتدافع الحضاري، والذاكرة التاريخية: نحو وعي استراتيجي بالتاريخ، وأنا والقرآن: محاولة للفهم، وخطواتك الأولى نحو فهم الاقتصاد، وجيوبولتيك: الجغرافيا والحلم العربي القادم: عندما تتحدَّث الجغرافيا.