التاريخ الاجتماعي للعمل

التاريخ الاجتماعي للعمل
يشرع الكتاب في البحث عن سؤال لماذا يعمل الناس بوظائف تافهة؟ ولماذا لا يرفض المجتمع وجود مثل هذه الوظائف؟ ويرى الكاتب أن العمل أصبح ضرورة في ذاته كإحدى نتائج الثورة الصناعية، ففي الماضي لم يكن من الممكن أن يمتلك أحد وقت الآخرين كما هو الحال في وقتنا، بل إن الفكرة تبدو غريبة من منظور تاريخي حتى مع شيوع العبودية، فقد كان العمل في أغلب الأحوال يتبع دورة من المجهود المكثف لفترة قصيرة تتبعها فترات طويلة من الراحة ثم المعاودة مرة أخرى، ومع اختراع الساعات ومعها إمكانية تقسيم الوقت إلى وحدات متساوية وتخصيص مهام محددة لهذه الوحدات، أصبح بإمكان البشر قياس العمل بالوقت لأول مرة بعدما كان العكس هو الشائع، فقد كان البشر يعملون متدربين في سبيل الوصول إلى الإتقان والالتزام، ثم يحققون الاستقلال ويبدؤون بالعمل من أجل أنفسهم، ومع تغير هذا النموذج الاجتماعي وتأخر سن الاستقلال، أصبح العمل هو الوسيلة الوحيدة لتهذيب النفس، وبهذا أصبح العمل التقليدي أمرًا واجبًا في المجتمع.

وهذا العمل يتعلق بالإنتاج بطبيعة الحال، ففي الفكر السائد ينحصر مفهوم العمل في العمل الذي ينتج عنه مادة قابلة للاستهلاك فقط، وهذا التعريف المحدود يتجاهل العمل الذي يتسم بالخدمة والاعتناء (كان هذا عمل النساء في أغلب فترات التاريخ)، وهنا يجب التفريق بين المصطلح الاقتصادي للقيمة الاقتصادية التي تستخدم لتحديد أسعار المنتجات، والقيم الاجتماعية التي لا يمكن تسعيرها كالصدق والعدل وغيرهما، ويوضح الكاتب أن ظهور بعض الوظائف التافهة يمكن أن يُرْجَع إلى محاولة تحويل الوظائف الإنسانية (مثل التمريض) إلى خدمات مُمَيْكَنَة، مما أدى إلى تفشي البيروقراطية المصاحبة لهذه المحاولات، ويُلَاحَظ أن هناك علاقة عكسية بين الوظائف التي تتسم بممارسة هذه القيم وبين العائد المادي لها (مع وجود بعض الاستثناءات بالطبع)، فكلما كانت الوظيفة مهمة وذات جدوى، كانت الأجور هزيلة، كأن المجتمع يبعث برسالة مفادها أن الأعمال المجزية في ذاتها تكفي، ويمكن أن نصنف هذه الوظائف كوظائف سيئة فقط، هي مهمة للغاية ولكنها ليست مربحة ماديًّا ولا تتيح لأصحابها فرصًا للترقي الاجتماعي.
الفكرة من كتاب وظائف تافهة
هل تساءلت يومًا لماذا يكره العديد من البشر وظائفهم؟ ولماذا تنتشر النكات الساخرة عن بيئة العمل والرؤساء حتى وإن كان العمل ذا عائد مادي جيد؟ في هذا الكتاب يعرض عالم الأنثروبولوجي ديفيد جرابر نظريته عن طبيعة بعض الوظائف التافهة في الوقت الحالي، بمناقشة العوامل السياسية والاقتصادية والتاريخية التي أسهمت في صناعتها، موضحًا الأضرار الاجتماعية والفردية التي تتسبب بها، ويعد هذا الكتاب امتدادًا لمقال نشره الكاتب في جريدة سترايك !Strike عام 2013 يناقش الأمر ذاته، وانتشر انتشارًا سريعًا بسبب محتواه المثير للاهتمام، وتلقى الكاتب رسائل عديدة تؤيد محتوى المقال عن الوضع الحالي لسوق العمل، وتَرْوِي تجارب حقيقية في هذه الوظائف، فنحن جميعًا على علم بوجود هذه الوظائف التي تبدو بلا أي جدوى ولا تقدم أي فائدة للمجتمع، ولكننا على الرغم من ذلك لا نملك أي تفسير لاستمرارها بل وانتشارها أيضًا! وهنا قد يجادل البعض ويقولون إن الحكم على بعض الوظائف بالتفاهة أمر شخصي ولا يجب تعميمه، لذلك يُعَرِّف الكاتب الوظائف التافهة بأنها تلك الوظائف العديمة الفائدة أو المضرة بالمجتمع، حتى إن من يعملون بها لا يستطيعون الإتيان بمبرر جيد لوجودها حتى وإن كان عليهم التظاهر بعكس ذلك.
مؤلف كتاب وظائف تافهة
دايفيد جرابر: هو بروفيسور أنثروبولوجي أمريكي وناشط أناركي، درس جرابر في جامعة شيكاغو وأجرى أبحاثًا في مجال الأنثروبولوجي في مدغشقر، وحصل على الدكتوراه عام 1996، كما عمل أستاذًا مساعدًا بجامعة يال منذ عام 1998 وحتى عام 2005، ويشتهر جرابر بأعماله الأكاديمية في مجال الاقتصاد وعلم الأنثربولوجي وكذلك بدوره القيادي في حادثة Occupy Wallstreet، من أهم كتبه:
Debt: The First 5000 Years
The Utopia of Rules
The Dawn of Everything