الأشخاص غير المتطابقين

الأشخاص غير المتطابقين
في قضية غريبة من نوعها اتُّهِمَت فتاة تسمى “أَمَاندَا نُوكْسْ” بقتل شريكتها في الغرفة، رغم عدم وجودها في المنزل في تلك الليلة، وقضيتنا هذه تدور حول الفهم الخطأ لمعنى الشفافية، فقد اعتُبِرَت “أَمَاندَا” مذنبة لأن تعابير وجهها لم يظهر عليها الحزن الكافي لموت شريكتها، مما جعل الجميع يشكون في إمكانية كونها مذنبة وأُودِعَت السجن لفترة طويلة، ولفهم القضية بشكل أفضل نحن في حاجة إلى العودة إلى تجربة العالم “تِيمْ لِيفِين” فقد كانت إحدى الطالبات تتصرف بطريقة عصبية غريبة عندما سألها: هل غششت أم لا؟ وهنا تأكد “تِيمْ” أنها غشت، ولكن عند مراجعة كاميرات المراقبة وجد أنها لم تغش بالفعل، فنحن نظن أن الكاذبين يتصرفون كالأفلام وتظهر عليهم العصبية والارتباك، وكل هذا محض هراء، فالأشخاص ينقسمون قسمين: الأشخاص المتطابقين والأشخاص غير المتطابقين، فمن تكون شخصيته متسقة مع تصرفاته فهو شخص مطابق للنظرة التي وضعناها للشخص الصادق فنميل إلى تصديق تلك الفئة، في حين أن غير المتطابقين لا تتسق شخصياتهم مع تصرفاتهم ويكونون مُربكين ولا يمكن توقعهم، وهذه الفئة التي تنتمي إليها “أَمَاندَا نُوكْسْ”.

وأمضت “أَمَاندَا” بالسجن أربع سنوات جراء جريمة عدم التصرف بالشكل الذي يعتقده الناس، فنحن البشر لا نحسن التعامل مع غير المتطابقين ونسيء فهمهم، ونجد هنا إجابة عن أُحْجِيَّة هِتلَر وكيف أساء كثير ممن التقوه فهمه، وهذا لأنه كان شخصًا غير متطابق، فهو شخص غير نزيه يتصرف على أنه نزيه، وبسبب أفكارنا السخيفة عن الشفافية بنينا عالمًا يظلم كثيرًا من الناس دون ارتكابهم لأي خطأ، وأسفرت نتائج أبحاث “تيم” عن أن البشر لا يستطيعون فهم الغرباء غير المتطابقين، فقد أربكت أَمَانَدا القضاء لوجود انفصال بين الطريقة التي تصرفت بها، والطريقة التي شعرت بها، وهذا أحد نتائج القصور في الشفافية، فنحن لدينا مشكلة في فهم الأشخاص الذين لا نعرفهم،
بالإضافة إلى أن حرصنا على تقصي الحقيقة قد يسهم في تضليلنا بين الحين والآخر، ولكن ماذا لو كنا نبحث عن الحقيقة من أحد الإرهابيين، كيف سنتمكن من الحصول عليها؟ أغلب المحققين يستخدمون التعذيب في ذلك، كالحرمان من النوم، الذي ثبت أنه يسبب تشوشًا في الذاكرة فتكون اعترافات المتهم غير صحيحة بالكامل، ولذا فإن الغريب هش للغاية، ونحن بحاجة إلى تقبل أن السعي إلى فهم الغريب له حدود، فنحن لن نعرف الحقيقة كاملة في كل مرة، والطريقة الصحيحة للتحدث إلى الغرباء يجب أن تكون مقترنة بالحذر والتواضع.
الفكرة من كتاب التحدث إلى الغرباء.. ما الذي يجب أن نعرفه عن الغرباء؟
نلتقي يوميًّا بعديد من الغُرباء، ولكن من منا لا يُسيء فهمهم؟ مع الأسف، أغلبنا يُسيء فهمهم، فقد تقابل شرطي مرور وتراه شخصًا عصبيًّا، في حين أن شرطي المرور ذاك يراك موضع شك فتزداد حدة النقاش بينكما، فكلاكما يعد غريبًا بالنسبة إلى الآخر، ولمعالجة حالات سوء الفهم تلك، جاء إلينا هذا الكتاب لمناقشة لماذا نحن سيئون في الحكم على الآخرين، ولماذا نخفق في فهم الغرباء، وعبر صفحات هذا الكتاب سندرك الدوافع الكامنة وراء تصرفاتنا، وسنكتشف أن الغرباء ليسوا شخصيات بسيطة على الإطلاق، وسنعرف كيف نتعامل مع من لا نعرفهم، فلقد أصبحنا اليوم على تواصل دائم مع أشخاص يختلفون عنا، ويرون العالم من منظور غير منظورنا.
مؤلف كتاب التحدث إلى الغرباء.. ما الذي يجب أن نعرفه عن الغرباء؟
مالكولم غلادويل: كاتب، وعالم اجتماع، وصحفي كندي، ولد عام 1963م، وألَّف كتبًا عدة تصدرت قائمة أكثر الكتب مبيعًا في العالم، وعمل لفترة مراسلًا للعلوم والأعمال في صحيفة “واشنطن بوست”، وامتاز غلادويل بكتابة مقالات تتحدث عن التدخلات غير المتوقعة للبحوث العلمية لا سيما في قسم علم النفس والاجتماع، ومن أبرز مؤلفاته:
نقطة التحول.
المتميزون.. قصة النجاح.
طرفة عين.. قوة التفكير دون تفكير.
ماذا رأى الكلب.. ومغامرات أخرى.
معلومات عن المترجمة:
غيلدا العساف: ترجمت مؤلفات عدة من أبرزها:
أحدنا هو التالي.
في مصيدة الحب.