افتراض البراءة والشفافية

افتراض البراءة والشفافية
تكثر حوادث التحرش والاغتصاب ومع ذلك نتأخر في اكتشاف المجرم، وقصتنا التالية خير دليل على ذلك، فقد تحرش طبيب يدعى “لَارِي نَصَّار” بمرضاه، وعندما اشتكى المرضى الذين كانوا في الغالب فتيات صغيرات يلعبن الجمباز ويذهبن إليه لشهرته في معالجة الضغط الذي يسببه الجمباز على أجسادهن، لم يصدقهن أحد، وذلك لأنه طبيب مشهور، بالإضافة إلى وجود الأهل بغرفة الفحص نفسها، وظهرت الحقيقة بعد فترة طويلة عندما وُجِدَت صور إباحية لضحاياه على حاسوبه، فالجميع افترض براءة ذلك الطبيب إلى أن اكتُشِفَ دليل قاطع، ولكن افتراض البراءة ليس جريمة، بل هو ميل بشري شائع، فإذا افترض جميع الآباء أن طبيب أولادهم متحرش جنسي فلن يخرج الأولاد من البيوت، ولن يتطوع أي شخص ليكون طبيبًا، فنحن نفترض البراءة رغم ما تحمله من مخاطر لأننا لا نملك خيارًا آخر، فيجب أن يكون لدى أي والد مستوًى من الثقة في المجتمع المحيط به.

وهل سألت نفسك من قبل: هل نفهم الشخص بناءً على كلماته أم على تعابير وجهه؟ لو أمعنت في النظر لوجدت أننا نتابع عديدًا من المسلسلات الدرامية، ولكن ما يجعلنا نحب مسلسلًا عن آخر هو مستوى جودة التمثيل الذي يظهر بشكل واضح على تعابير وجوه الممثلين، فأداء الممثلين في تلك الحالات يكون شفافًا، وهذا يقودنا إلى مصطلح الشفافية، وهو افتراض حقيقة أن سلوك الناس وما يفعلونه يوفر نافذة لجوهر شخصياتهم، والشفافية هي ثاني أهم الأدوات التي نستخدمها عندما نتعرف الغرباء، فنعتقد أنه يمكننا فهم الغرباء من خلال سلوكهم وتصرفاتهم،
فلو وجدت شخصًا يقطب حاجبيه ستقول: لا شك في أنه يشعر بالغضب، وفي تجربة أُجرِيَت على سكان إحدى الجزر وسكان إحدى المدن، عرضت مجموعة من الصور على سكان الجزيرة والمدينة، والصدمة كانت أن تعابير الوجه تختلف من مكان لآخر، وتختلف كذلك باختلاف الثقافة، فما رآه سكان المدينة على أنه شخص غاضب، رآه سكان الجزيرة على أنه شخص يحاول إخافة شخص آخر، ولذا فإن الشفافية مجرد خرافة وفكرة استمددناها من مشاهدة التلفاز وقراءة الروايات، وتنتهي مشكلة الشفافية في المكان نفسه الذي انتهت فيه مشكلة افتراض البراءة، فنحن نتعامل مع الغرباء بطرائق مشوشة، ولكنها ضرورية اجتماعيًّا، وهذا هو تناقض التحدث إلى الغرباء، فنحن في حاجة إلى التحدث معهم، ولكننا لا نجيد ذلك.
الفكرة من كتاب التحدث إلى الغرباء.. ما الذي يجب أن نعرفه عن الغرباء؟
نلتقي يوميًّا بعديد من الغُرباء، ولكن من منا لا يُسيء فهمهم؟ مع الأسف، أغلبنا يُسيء فهمهم، فقد تقابل شرطي مرور وتراه شخصًا عصبيًّا، في حين أن شرطي المرور ذاك يراك موضع شك فتزداد حدة النقاش بينكما، فكلاكما يعد غريبًا بالنسبة إلى الآخر، ولمعالجة حالات سوء الفهم تلك، جاء إلينا هذا الكتاب لمناقشة لماذا نحن سيئون في الحكم على الآخرين، ولماذا نخفق في فهم الغرباء، وعبر صفحات هذا الكتاب سندرك الدوافع الكامنة وراء تصرفاتنا، وسنكتشف أن الغرباء ليسوا شخصيات بسيطة على الإطلاق، وسنعرف كيف نتعامل مع من لا نعرفهم، فلقد أصبحنا اليوم على تواصل دائم مع أشخاص يختلفون عنا، ويرون العالم من منظور غير منظورنا.
مؤلف كتاب التحدث إلى الغرباء.. ما الذي يجب أن نعرفه عن الغرباء؟
مالكولم غلادويل: كاتب، وعالم اجتماع، وصحفي كندي، ولد عام 1963م، وألَّف كتبًا عدة تصدرت قائمة أكثر الكتب مبيعًا في العالم، وعمل لفترة مراسلًا للعلوم والأعمال في صحيفة “واشنطن بوست”، وامتاز غلادويل بكتابة مقالات تتحدث عن التدخلات غير المتوقعة للبحوث العلمية لا سيما في قسم علم النفس والاجتماع، ومن أبرز مؤلفاته:
نقطة التحول.
المتميزون.. قصة النجاح.
طرفة عين.. قوة التفكير دون تفكير.
ماذا رأى الكلب.. ومغامرات أخرى.
معلومات عن المترجمة:
غيلدا العساف: ترجمت مؤلفات عدة من أبرزها:
أحدنا هو التالي.
في مصيدة الحب.