أفكار تشوه رؤيتنا للواقع

أفكار تشوه رؤيتنا للواقع
يضم العقل بعض الأفكار المشوهة التي تحيد به عن رؤية الواقع على حقيقته، ومنها أنه قد يهتم ويبالغ في التعامل مع الأشياء الصغيرة لأنها مرئية ومباشرة ولا يهتم بالكبيرة والمهمة لأنها غير مباشرة، فالأخطار الكبرى قد لا يراها العقل، أما الأخطار الصغيرة المفاجئة فتثير الاهتمام الواسع، فقد يتحرك الناس لمقتل إنسان واحد ظهر على الشاشة، ولا يتحركون لمقتل عشرات الآلاف غيره يموتون كل يوم، وذلك بسبب ضيق مساحات الوعي والاستشعار، فلا يمكن للعقل أن يتبصر الأخطار والانحرافات قبل حدوثها. كما قد يشوه الفكر رؤيتنا للواقع ويصعب عملية التعرف عليه، فيحاول التقاط مجموعة من التصورات والوقائع والسلوكيات ثم يبني عليها تصورًا كاملًا، أو يلتقط ما يرجحه ويعرفه من الأساس، لذا فهو في الحقيقة يرى ما يشتهيه وليس الواقع.
وهناك ميل ورغبة داخلية في التخلص من تكدس الآراء لنلجأ إلى فكرة الصواب الوحيد، وهذا يشوه رؤيتنا للواقع، بسبب الكسل الذهني الذي يدفعنا إلى ذلك، ورفض البدائل المغايرة وتجاهل العوامل المؤثرة الأخرى والتركيز على عامل واحد، مما يجعلنا نلجأ إلى اليقينية والقطعية في كل ما نتبعه، فنرفض الجماعات والاختلافات ونرضى بالمذهب والرأي الواحد، ونميل إلى ذلك بسبب ضعف حساسية عقولنا تجاه النسبية، فهي قاصرة تدرك الأشياء معزولة ومتفردة ولا ترى الترابط بين الأشياء وتداخلها في منظومة واحدة، مما يولد لدينا الكثير من الانطباعات الخاطئة والمشكلات الأخلاقية والاجتماعية، فلا نستطيع رؤية ما يربطنا بالناس وما نتفق فيه معهم بل نركز على مساحات الاختلاف.
كما يشوه الفكر المتصلب رؤيتنا للواقع، بسبب ما في العقول من بطء في معالجة الأخطاء والمشكلات التي ترد عليه ولنقص المرونة الذهنية. وصاحب ذلك الفكر لا يتخلى عن آرائه وغير مرن في التعامل ويميل إلى المغالاة ولغته قطعية في كل شيء، ويستخدم ألفاظًا صارمة ومغلقة والحوار معه غير مجدٍ، ولا يشعر الآخرون بأنه عقلاني ومنطقي، وقلما يشعر بالآخرين ويكثر من أذيتهم ويعطي لهم انطباعًا بأن لديه إجابات عن كل شيء، ويميل إلى المثالية وينشد الكمال ويتمسك بما يصل إليه دون أي بديل، ولا يمكنه أن يرى أي منطقية أو اتساق في ما يقول، لذا يكثر من الارتباك والتناقض.
الفكرة من كتاب خطوة نحو التفكير القويم: ثلاثون ملمحًا في أخطاء التفكير وعيوبه
التفكير مطلب وضرورة إنسانية وفريضة شرعية، ومن دونه يفقد الإنسان إنسانيته، فبه يفهم الوحي ويعرف النفس والعالم والواقع والتاريخ، ولكن العقل لا يسلم من القصور والعقبات، فقد تسيطر عليه الانفعالات، وتؤثر به الرغبات والأهواء، مما يشوش رؤية الإنسان لواقعه، فيعجز عن إدراك المسائل الكلية، ويصعب عليه التفريق بين المهم والتافه وبين الآمن والخطير، فيتعامل بسوء تقدير في مختلف أموره الحياتية.
ولأجل تقويم العقل وإصلاح الفكر، يقدم لنا هذا الكتاب طريق التفكير القويم، الذي يركز على أهم الأخطاء الفكرية التي يقع فيها العقل في أثناء التفكير، وما يشوبه من عيوب ونقائص، ويسلط الضوء على طبيعة العقل وما يعترضه من التباسات.
مؤلف كتاب خطوة نحو التفكير القويم: ثلاثون ملمحًا في أخطاء التفكير وعيوبه
د. عبد الكريم بن محمد الحسن بكّار: كاتب سوري وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود، ويعد أحد المؤلفين البارزين في مجالات التربية والفكر الإسلامي. حصل على البكالوريوس من كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر وعلى الماجستير والدكتوراه من الكلية نفسها. من مؤلفاته:
طفل يقرأ.
القراءة المثمرة.
الانضباط الذاتي.
تكوين المفكر: خطوات عملية.
اكتشاف الذات: دليل التميز الشخصي.

