شرارة الثورة الدستورية

شرارة الثورة الدستورية
حاولت الأسرة القاجارية في بادئ الأمر توسيع نفوذها وخاضت معارك ضد كل من بريطانيا والاتحاد السوفييتي، لكنها ما لبثت أن انهزمت هزيمةً نكراء، اضطرت معها لعقد اتفاقيات مجحفة، ومنح امتيازات للدول الأجنبية شملت إعفاءات من الجمارك والضرائب، وإنشاء السكك الحديدية والتنقيب عن المعادن والثروات وإدارة الشحن البحري، وإنشاء البنك البريطاني الذي احتكر حق سك العملة، وجمع رسوم الطرق، فما لبثت تلك الامتيازات أن عصفت بالاقتصاد الإيراني، وتحولت السوق من منتجة إلى مستهلكة، فزاد ذلك من حفيظة كبار التجار ضد سياسة «ناصر الدين شاه»، وسرعان ما انتقل ذلك الغضب إلى رجال الدين بسبب الروابط الوثيقة بينهم وبين التجار، إذ تُعَدُّ التبرعات التي يقدمها التجار مصدر الدخل الثاني للحوزات العلمية بعد الأوقاف، فلا عجب من أن تتلاحم مصالحهم السياسية معًا.
وعلى الرغم من سوء الأوضاع الاقتصادية وكثرة التدخلات الأجنبية في البلاد، فإن ما قام به «ناصر الدين شاه» من إصلاحات كان يبطئ من وتيرة الانفجار على الأرض، فقد اهتم بالتعليم، وتضمن ذلك إنشاء المدارس والجامعات، وترجمة أمهات الكتب، وإرسال البعثات العلمية إلى الخارج، وإنشاء دار للصحافة الرسمية، فساعدت هذه الإصلاحات على ظهور طبقة من النخبة المثقفة التي كان لها دور فعّال في الوقوف ضد التدخلات الأجنبية، وسوء الأحوال الاقتصادية في البلاد، بمساندة كلٍّ من رجال الدين وكبار التجار وأصحاب البازارات -الأسواق- في إيران.
وكانت شرارة الثورة الأولى أزمة التبغ، فبعد حصول الإنجليز على حق احتكار شراء التبغ وتصنيعه، صدرت فتوى بتحريمه، وإبّان تلك الأحداث تشكلت العديد من الحركات السياسية تعاونت مع الطبقة الوسطى والمثقفين، ونجحوا في تحويل رفض الامتيازات وقرارات الشاه إلى عصيان قومي، تعامل معه «الشاه ناصر الدين» بحدةٍ وقمع، فأوقف محاولات التجديد والإصلاح التي كان يطمح لها، إلى أن اغتيل.
الفكرة من كتاب تاريخ إيران السياسي بين ثورتين (1906 – 1979)
أعلنت إيران في عام 1979 قيام الجمهورية الإسلامية بقيادة المرجع والإمام الخميني، فكيف قامت الثورة الإسلامية في إيران؟ وما العوامل التي أدت إلى نجاحها؟
لقد تمسكت فئات الشعب على اختلافها من ليبراليين وشيوعيين وغيرهم بتلك الثورة لإسقاط الدولة البهلوية آخر الدول قبل قيام الثورة، لتكون الثورة الإسلامية أهم حدث في تاريخ إيران الحديث، التي تعيش حتى الآن في ظل النظام الذي ساد بعدها، ولكي تتضح صورة هذا النظام السياسي، علينا أن نلِج في تاريخ إيران، لندرك زخم الأحداث السياسية التي مرت بها إيران بين عامي 1906 و1979، ففي عام 1906 كانت الثورة الدستورية التي خرجت ضد القهر الذي مارسته الأسرة القاجارية على فئات الشعب المختلفة، لنبصر ما أحدثته تلك الثورة من تغيير جذري جعلها من أهم المنعطفات في تاريخ إيران الحديث، وما أعقبها من محاولات لبناء دولة مدنية في عهد الأسرة البهلوية، والصراع السياسي الداخلي بين مصدّق ورضا بهلوي وما أعقب هذا الصراع من تنامي المعارضة حتى قيام الثورة الإسلامية عام 1979 التي رسمت طبيعة إيران إلى وقتنا الحالي.
مؤلف كتاب تاريخ إيران السياسي بين ثورتين (1906 – 1979)
آمال كامل السبكي: أستاذة التاريخ الحديث والمعاصر، ورئيسة قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة بنها بمصر، حصلت على الدكتوراه في التاريخ من جامعة القاهرة عام 1969، ولها العديد من المؤلفات الهامة، منها:
التيارات السياسية في مصر ( 1919 – 1952).
أوربا في القرن التاسع عشر: فرنسا في مئة عام.
الاستراتيجية الأمريكية في المشرق العربي.
سعد زغلول والكفاح السري.




