انتصار الثورة الدستورية

انتصار الثورة الدستورية
تولى «مظفر الدين شاه» العرش من عام 1896 إلى 1907، وقد استوعب تمامًا الدرس الذي أوْدَى بحياة والده، فحاول استرضاء الشارع، لكن إفلاس القاجار المادي، وضعف أنظمتها الإدارية والعسكرية، جعلا الشاه يزيد من الضرائب، ويكثر التطبيع مع الأجانب، مما أشعل الشوارع في نهاية عام 1905 وبداية عام 1906 ضد الضرائب المفروضة، واحتَجَّ ألفان من التجار وأغلقوا أسواقهم، وطالبوا بتشكيل جمعية دستورية لكتابة أول دستور في إيران، فوجه الشاه قواته لفضِّ تلك التظاهرات، وقُتل اثنان وعشرون متظاهرًا، فأعلن رجال الدين امتناعهم عن العمل القضائي والتوجيه الروحي، وبقاء الدولة دون معاملات شرعية إلى أن يستجيب الشاه لمطالب الأمة، فاضطر الشاه صاغرًا إلى الإقرار بأول دستورٍ إيراني في يناير 1907 قبل وفاته ببضعة أيام.
ليأتي بعده الشاه «محمد علي» ويعلن الحرب على الثورة وحل مجلس العدل، وذلك لأنهم رفضوا منحه سلطات تعلو سلطات المجلس، وزيادة عدد قواته الخاصة، فقرر التخلص من أعضاء المجلس بحجة عدم نجاحه في تلبية مطالب الناس من تخفيض الأسعار، وعدم وضعه حَدًّا للتدخلات الأجنبية، ومن ثم أطلق قوات القوزاق -الحرس الخاص للشاه- ليعيثوا في الأرض فسادًا من نهبٍ للبازارات وترويع الأهالي والاستيلاء على ممتلكاتهم، إلى ضرب مجلس العدل بالمدفعية في يوليو 1908، فأعلن رجال الدين في يناير 1909 الجهاد من أجل الدستور وطالبوا بحماية أموال المسلمين، وحرَّموا دفع الضرائب لعمال الحكومة، واتهموا كل من لا يعمل بنص الفتوى بأنه يعادي الرسول ﷺ، وعليه انفجرت شوارع إيران واندلعت ثورات في تبريز وطهران وأصفهان وغيرهم، واستمرت تلك الاحتجاجات حتى أجبر الشاه على ترك عرشه، وتسليمه إلى ابنه الأصغر «أحمد شاه»، ونُفِيَ إلى روسيا مع تحديد راتب شهري له، حتى لا يفكر في استعادة العرش، وبذلك تحقق الثورة مراميها لإنشاء حياة دستورية.
لكن مع الأسف لم تستمر الحياة الدستورية سوى عامين، لتنقلب بعدها الأوضاع في إيران، فتضطر الحكومة الإيرانية في 1911 أن تغلق المجلس، وعندما بلغ ولي العهد «أحمد شاه» سن الرشد وتولى الحكم، حاول أن يُعيد المجلس للعمل بعد مضي ثلاثة أعوام من إيقافه، أي في عام 1914 وهو العام نفسه الذي اندلعت فيه الحرب العالمية الأولى، ولكنه أُغلِق للمرة الثالثة عام 1915م.
الفكرة من كتاب تاريخ إيران السياسي بين ثورتين (1906 – 1979)
أعلنت إيران في عام 1979 قيام الجمهورية الإسلامية بقيادة المرجع والإمام الخميني، فكيف قامت الثورة الإسلامية في إيران؟ وما العوامل التي أدت إلى نجاحها؟
لقد تمسكت فئات الشعب على اختلافها من ليبراليين وشيوعيين وغيرهم بتلك الثورة لإسقاط الدولة البهلوية آخر الدول قبل قيام الثورة، لتكون الثورة الإسلامية أهم حدث في تاريخ إيران الحديث، التي تعيش حتى الآن في ظل النظام الذي ساد بعدها، ولكي تتضح صورة هذا النظام السياسي، علينا أن نلِج في تاريخ إيران، لندرك زخم الأحداث السياسية التي مرت بها إيران بين عامي 1906 و1979، ففي عام 1906 كانت الثورة الدستورية التي خرجت ضد القهر الذي مارسته الأسرة القاجارية على فئات الشعب المختلفة، لنبصر ما أحدثته تلك الثورة من تغيير جذري جعلها من أهم المنعطفات في تاريخ إيران الحديث، وما أعقبها من محاولات لبناء دولة مدنية في عهد الأسرة البهلوية، والصراع السياسي الداخلي بين مصدّق ورضا بهلوي وما أعقب هذا الصراع من تنامي المعارضة حتى قيام الثورة الإسلامية عام 1979 التي رسمت طبيعة إيران إلى وقتنا الحالي.
مؤلف كتاب تاريخ إيران السياسي بين ثورتين (1906 – 1979)
آمال كامل السبكي: أستاذة التاريخ الحديث والمعاصر، ورئيسة قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة بنها بمصر، حصلت على الدكتوراه في التاريخ من جامعة القاهرة عام 1969، ولها العديد من المؤلفات الهامة، منها:
التيارات السياسية في مصر ( 1919 – 1952).
أوربا في القرن التاسع عشر: فرنسا في مئة عام.
الاستراتيجية الأمريكية في المشرق العربي.
سعد زغلول والكفاح السري.





