الأجساد الجديدة

الأجساد الجديدة
قدمت التكنولوجيا إلينا طريقًا لتجاوز الذات والجسد والهُوية والمكان، فأصبحنا نتجاوز الهُوية ونخترع هُويات جديدة متخَيلَة، إذ يُمكننا تغيير السن والنوع والهيئة واللغة والمكان على صفحاتنا الافتراضية، ولن يتحقق أحد من صحة معلوماتنا.
أما الجسد فأصبح موضعًا للتكنولوجيا، فقد تجاوز الفضاءَ الماديَّ والزمانّ، من خلال الاتصال بالفضاء الإلكتروني، إلى عوالمَ مختلفةٍ جديدةٍ نتحرك فيها ونحن في مكان واحد، كما يُمكننا إدخال تعديلات جراحية أو كيميائية، إنه الجسد الجديد، جسدٌ يتخطى الجسد القديم ويتجاوزه.
ربما استعادت التكنولوجيا قدرة مفقودة في الجسد، أو ضخّمت قدرة ما أو عدّلتها، وذلك بتلاقٍ بين العضوي والإلكتروني، وتفاعل جديد مع العالم من خلال الوسط التكنولوجي، وتشويش الحدود الفاصلة بين الآلة والإنسان.
الجسد ما بعد البشري الرقْمي، يُختزَل فيه الجسد في شرائح رقيقة، وتُحفَظ بيانات الجسد ومعلوماته في صيغ رقْمية، إذ يمكن التحكم في السلوكيات والاستعدادات والأمراض الوراثية، وقد ربط تدخُّل طبي جديد، على مستوى الخلية والجزيء، بين التكنولوجي والمعلوماتي والبيولوجيا الطبية، لينشأ طب جديد يعرف بالطب المعلوماتي، فيه يصبح الجسد شفرة، والحمض النووي معلومات يمكن إجراء التعديلات عليها وعلاجها.
أجساد رقْمية، تصبح متصلة بالشبكة والواقع الافتراضي بشكل مباشر؛ يرتبط الجسد بالتكنولوجيا ارتباطًا شخصيًّا، وتصبح التكنولوجيا جزءًا منه وامتدادًا له، ونتيجة لذلك تنشأ ارتباطات جديدة بين الجسد والفضاء والزمان، تتهاوى فيها الجغرافيا والحدود الفاصلة بين الأماكن، فيمكن للفرد التسوق في مكانين في الوقت نفسه، كما تتهاوى أيضًا الحدود الفاصلة مع هذه التكنولوجيات والهاتف المحمول، بين الأزمنة، فوقت العمل يمكن أن يمتد إلى وقت الفراغ، وفي وقت العائلة يستقبل الشخص رسائل العمل، ويُجري محادثات افتراضية.
الفكرة من كتاب مقدمة إلى وسائل الإعلام الجديدة والثقافات الإلكترونية
ماذا يمكن أن يحدث عندما تقطع مِرساةُ سفينة (كابْلًا) يمتد تحت مياه البحر؟ لم يكن هذا سؤالًا خياليًّا بل حدث هذا بالفعل، في يناير ٢٠٠٨م تضررت خِدْمات الإنترنت حول العالم وعانى كثيرون ممن يعتمدون على تعهيد الأعمال عبر الإنترنت مثل الهند.
لقد أصبحت التكنولوجيات في عصرنا عنصرًا مهمًّا، فهي متجذِّرة مترسِّخة في عالمنا المادي، إذ لا يمكننا التخلي عنها، كما غيرت التكنولوجيات الجديدة وما استُجِدَّ من ثقافات إلكترونية حديثة تصورنا للأشياء، مثل: المكان والزمان، والنوع والعِرق، فتلك الثقافات ليست افتراضية منفصلة عن الواقع بل متصلة بالعالم المادي، تؤثر وتغير فيه، والواقع المادي يؤثر فيها ويتمدد داخلها، لها مكاسب مادية وواقعية ولها مخاطرها.
فما تلك الثقافات التي استُجِدَّت في الآونة الأخيرة؟ وكيف أثرت وغيرت في العالم المادي؟ وكيف أثر العالم المادي فيها؟ وما مدى تمدده داخلها؟
مؤلف كتاب مقدمة إلى وسائل الإعلام الجديدة والثقافات الإلكترونية
برامود كيه نايار: هندي الجنسيّة، يعمل أستاذًا مساعدًا لدى قسم اللغة الإنجليزية بجامعة حيدر آباد، تتمحور مؤلفاته حول تاريخ الأدب الإنجليزي وأدب ما بعد الاستعمار، وبعض الكتابات في ما يخص الثقافات الإلكترونية وثقافة الاستهلاك ووسائل الإعلام الجديدة.
من أهم مؤلفاته:
عوالم افتراضية: الثقافة والسياسة في عصر التكنولوجيا الإلكترونية.
مقدمة إلى الدراسات الثقافية.
معلومات عن المترجم:
جلال الدين عز الدين علي: يعمل في مؤسسة هنداوي مراجعَ ترجمة، له أعمال في ما يخص العمل البحثي والتحريري والترجمة في شبكات إعلامية متنوعة ومراكز بحثية كبيرة في مصر والإمارات، وقد تخرج عام ١٩٩١م في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وحصل عام ٢٠١٦م على شهادة الأساس في الترجمة من الجامعة الأمريكية.





