كتاب الذكاء العاطفي 2.0

كتاب الذكاء العاطفي 2.0

المحادثات المتصدعة


تخيل شخص حياته كلها صراعات! كلما قابل شخص يفتعل معه المشاكل ويضربه! في طريق للجامعة يقابل أحدهما فيضربه في وجهه… يجلس بالمنزل فيجد نفسه طرف في خناقة ومشادة بدون أي مقدمات … هو دائما يضرب الناس … ويتلقى الضربات…  لذا فهو غير قادر على التعامل مع الحياة، لأن طاقته كلها موجّهة للصراعات.

هنا يبدو واضحا حجم مشكلة الشخص لأنها مادية وواضحة، ولكن لو تأملنا قليلا سنجد أن حياتنا لا تختلف كثيرا عن حياة صديقنا هذا! الإختلاف فقط أن صراعاتنا غير ملموسة … عوضا عن الشجار بالأيدي، نتشاجر بالكلام … تلك الصراعات تأخذ كل تركيزنا وبالتالي لا يكون لدينا تركيز كافي للتعامل مع الحياة.

حتى نحمي أنفسنا من صراعات الحياة من المهم أن ننمي مهارة الذكاء العاطفي.

الذكاء العاطفي هو قدرتك على إدراك وفهم مشاعرك ومشاعر الآخرين ومن ثم الاعتماد على هذا الإدراك والفهم لإدراك سلوكك وعلاقاتك.

لو شبهنا التفاعل البشري بجسر … بينك وبين الطرف الآخر، فالذكاء العاطفي هو الهيئة الهندسية الخاصة بهذا الجسر.

دور هذه الهيئة هو كشف نقاط الضعف في الجسر والتي قد تؤدي لإنهياره، والسعي دائما لجعله أقوى.

الهيئة الهندسية لها ثلاث مهام

  • مهارات الوعي الذاتي
  • إدارة الذات
  • مهارات الوعي الإجتماعي

الوعي الذاتي


تخيل بأنك تسبح في البحر، وفجأة شعرت بشيء ما يلامس قدمك.

لنراقب رحلة الإحساس تلك منذ أن حدثت للحظة وصولها لدماغك. 

أي إحساس مشابه (تراه أو تسمعه أو تتذوقه أو تشمه أو تلمسه) يمر بجسمك على شكل إشارات كهربائية تصل من مصدر الإحساس إلى دماغك … ولكنها حتى تصل لدماغك ستمر عبر الجهاز الحوفي (وهو مصدر المشاعر)، ثم إلى الفص الأمامي (الذي سيفسرها ويدفعك للتصرف بشكل عقلاني).

بمعنى آخر نحن (بسبب رحلة الإحساس تلك) مجبرين على تجربة الأمور بشكل عاطفي أولا قبل أن نفكر فيها بشكل عقلاني.

لذلك يقع البشر تحت سطوة مشاعرهم أو بمعنى آخر يقعون تحت فخ الإختطاف العاطفي. 

الوعي الذاتي هو أن يكون لديك القدرة على إدراك ذلك … أن تدرك مشاعرك بشكل صحيح وتتفهم ميولك في المواقف – بمعنى آخر – أن تعرف بأنه يمكن أن يتم إختطافك عاطفيا وإن تحاول مقاومة ذلك.

توقف عن تصنيف مشاعرك إلى جيدة أو سيئة

كي تكتسب الوعي الذاتي … أول أمر عليك فعله هو التقبل! أي أن تتوقف عن تصنيف مشاعرك لجيدة أو سيئة.

مشكلة تصنيف المشاعر أنها تعيق فهم ما تشعر به وستؤدي للتجنب، فتصبح تجربتك الواعية في المشاعر الإيجابية فقط! وهذا حل مؤقت لمشكلات تعاملاتك.

ذلك يشبه إخفاء التراب تحت السجادة، أنت فعلت ذلك قد تظن أنك تخلصت من المشكلة ولكن كل مافعلته هو فقط تأجيلها … بدلا من أن تخفي مشاعرك السلبية تحت السجادة عليك اظهارها والإعتراف بها والتعامل معها لأنك إن لم تفعل ذلك ستظهر بأشكال مختلفة لاحقا وبشكل أنت شخصيا لا تتوقعه.

اعرف ما يغضبك

متى تشعر بالضيق؟ اسأل نفسك واجمع المواقف التي تقوم فيها عواطفك بالتشويش على عقلك

 حدد مثلا ماهي المواقف والأشخاص الذين يسببون لك الضيق والغضب … قد يكونوا أشخاص محددين كفنان الدراما …. أو مواقف بعينها مثل الأحداث المفاجئة أو الضوضاء في العمل.

بمجرد أن تحدد تلك المواقف وتواجه ما يثير غضبك ذلك سيخفف سطوتها عليك لأنك معترف بها وعندما حدوثها مرة أخرى لن يكون الأمر مفاجئ.

يمكن ايضا أن تأخذ خطوة كبيرة في وعيك الذاتي وتتساءل وتفكر في مصدر تلك المشاعر. ماهي الأسباب التي جعلت تلك المواقف تسبب لك الضيق الشديد، بداياتها مثلا!. قد يكون من يتصرف بشكل يغضبك يستخدم  نفس اسلوب أخاك عندما كان صغيرا، وهكذا … كلما فهمت أكثر كلما أصبحت أكثر قوة.

إدارة الذات


المهمة الثانية من مهام الهيئة الهندسية التي تحدثنا عنها هي إدارة الذات.

النقطة السابقة (الوعي الذاتي ) قائمة على الملاحظة.

أما إدارة الذات فتقوم على استخدام وعيك بمشاعرك الذي تعرفت عليه كي تختار بشكل فعّال مالذي ستقوله أو تفعله.

لو تفهمت مشاعرك واخترت الاسلوب المناسب للإستجابة لها بذلك سيكون بين يديك سطوة التحكم في المواقف مهما كانت. 

الكوابح

يمكنك إدارة ذاتك بشكل فعّال إن تمكنت من استخدام الكوابح.

الكوابح ستوقف التيار المتدفق من الإحباط والغضب الذي تشعر به أثناء اللحظة.

يمكنك أن تستخدم العد مثلا كوسيلة لفعل ذلك، في كل مرة تشعر فيها بالإحباط أو الغضب لا تتصرف … عد من الواحد للعشرة.

وإن كنت بين الناس ولا ترغب بالعد هناك العديد من الحيل الذي يمكنك استخدامها … مثلا بعض الناس عندما يعلمون بأنهم ذاهبون لمكان يمكن أن يشعروا فيه بالضيق (اجتماع مثلا)! يأخذون معهم مشروب وعندما يشعرون بأنهم على وشك فقدان السيطرة يشربون القليل منه.

هم بذلك يشتتون تركيزهم عن الغضب ويخففون الضغط الإجتماعي عليهم … لا أحد يتوقع من أحد أن يتحدث أو يرد أثناء شربه.

والنتيجة النهائية .. أصبح لديهم الوقت اللازم لتهدئة أنفسهم والتفكير بشكل منطقي فيما عليهم فعله.

 ايضا يمكنك ان تعادل احساسيك حتى لا تقع فريسة للمشاعر المفاجئة.

مثلا عندما تنتابك فكرة محبطة أو مقلقة، عليك أن تجبر نفسك على الإبتسام … ذلك سيساعد أن يبطل من أثر الحالة النسبية السلبية، وبالتالي ستتمكن من كبح نفسك وتوفير المزيد من الوقت كي تفكر بمنطقية أكبر.

الوعي الاجتماعي


المهمة الثالثة من مهام الهيئة الهندسية هي الوعي الإجتماعي

الوعي الإجتماعي هو قدرتك على ملاحظة وفهم مشاعر الآخرين … أن تتمكن من قراءة مايدور بأذهان الآخرين وأحاسيسهم.

حتى تتمكن من فعل ذلك هناك بعض الإستراتيجيات التي يمكنك تطبيقها:

تخلص من الركام

النقطة الأولى هي أن تتخلص من الركام، جميعنا لديه أحاديث تدور برأسنا، نحدث أنفسنا بصورة مستمرة عن الناس ونقييمهم.

(ذلك الشخص، لماذا فعل ذلك؟ … ماهي غايته؟ … هل أنا المقصود؟ … وما إلى ذلك من التخمينات التي تعرفها بكل تأكيد).

تلك الأحاديث الداخلية تعتبر عائق كبير في طريق الوصول للوعي الإجتماعي … لأنها غالبا ما تدفعنا لتقييم الناس بشكل سلبي … وحتى إن لم يكن سلبيا ففكرة التقييم نفسها خاطئة لأن التقييم جامد … مبني على زمن توقف في مواقف محددة.

 من المفترض أن تنتبه للصوت الداخلي الموجود بداخلك كي تتمكن من التعامل مع الناس بشكل مناسب.

راعي كل ظروف الحدث

لننتقل للنقطة التالية! الظروف … نحن معتادون على أن ننتبه لظروفنا ونراعي إطارنا العقلي فقط في المحادثة…

ولكن أي محادثة لها طرفان ولذلك لا يجب أن نتجاهل الشخص الاخر وظروفه وإطاره العقلي.

فكما أنت مثلا لا يمكنك الرد بشكل مناسب في ظروف معينة … كذلك، صديقك أو زميلك قد يرد عليك بشكل جاف لو أن لديه مشاكل في زواجه مثلا

لا تأخذ الأمور بشكل شخصي ولا تخرج بإستنتاجات متجاهلًا بقية الأبعاد الخاصة بظروف الشخص المقابل.

افهم قواعد اللعبة

ايضا عليك أن تفهم قواعد اللعبة … لو أنه مثلا تم تعيينك في مكان ما وزملاءك الجدد من بلد مختلفة وثقافة مختلفة 

كيف ستحدثهم؟ وكيف ستفهم ردود أفعالهم؟

هل من خلال ثقافتك أنت أم من خلال ثقافتهم؟ 

الأصح والأقوى تأثيرا هو أن لا تتعامل معهم من ثقافتك (لكن من خلال ثقافتهم)

سر النجاح في لعبة العلاقات يكمن في معاملة الاخرين بالطريقة التي يرغبون هم بالتعامل بها، بالطريقة التي يفهمونها هم.

تعرف على القواعد الخاصة بالآخرين من خلال الاستنتاجات وتخيل نفسك مكانهم

تقبل مشاعر الأخر

ايضا من المهم أن تتقبل مشاعر الطرف الآخر، وتظهر له هذا التقبل أو بمعنى آخر أن تجامل مشاعر الشخص المقابل لك

ذلك سيجعل التعامل فيما بينكما يتم بشكل أفضل … خذ مثلا دقيقة كي تعرف فيها مشاعر الشخص المقابل لك وبعد ذلك اخبره عنها.

على سبيل المثال، فتاة منزعجة من موضوع معين يمكنك أن تفول لها أنا حزينة بسبب انزعاجك … أنتي بذلك تكون أظهرتي لها تعاطفك … وسينتهي بكما الحال بتواصل فعّال بشكل أكبر.

عندما تهتم، اظهر إهتمامك

بصورة عامة اظهر اهتمامك.. الناس تهتم ولكن لا تظهر الإهتمام لأن معظمنا يتخيل بأن الآخرين سيشعروا وسيتفهموا بدون أن نقول أو نوضح هذا الاهتمام بشكل صريح ولكن هذا خطأ … (عليك أن تظهر إهتمامك بشكل مادي)

تخيل موظفة سهرت طوال الليل لإنجاز مهمة في العمل وعندما أتت في اليوم التالي وجدت مديرتها قد وضعت لها قطعة من الحلوى على مكتبها وورقة مكتوب عليها شكرا لقد تعبتي جدا معنا!

هي عندما تشعر بإهتمام مديرتها وترى بأنها فكرت فيها وفي تعبها … ولو كان التعبير عن ذلك وهو هدية صغيرة جدا! … سيترك ذلك انطباع قوي لديها وسيقوي علاقتهما.

لذلك دائما اظهر إهتمامك

لاتتخذ القرارات فحسب : اشرحها

الأمر الأخير هو أن لا تُجلس الناس في الظلام … الناس تخاف من الظلام وتقاومه.

بمعنى آخر لا تأخذ القرارت بشكل ديكتاتوري بدون أن تخبر الاخرين عن أبعاد القرار كلها.

لو مثلا اتخذت قرار وذلك القرار أثر على شخص ما عليك أن تشرح له وتوضح كيف توصلت لهذا القرار … خذ وقتك حتى توضح له البدائل ولماذا تراه أكثر الخيارات عقلانية.

لا تتوقع من الناس قبول قراراتك بشكل منفرد، الناس تقدّر الشفافية والصراحة … كما انها فرصة جيدة لبناء الثقة والإحترام.