كتاب علاقات خطرة

كتاب علاقات خطرة

حالات الأنا


هناك ٣ حالات تعيش بداخل كل واحد، هؤلاء الثلاثة يمسكون بزمام الأمور بالتبادل في المواقف المختلفة

الطفـل

أول فرد بداخلك هو الطفل! وهو نسخة منك وأنت صغير.

الطفل له ثلاثة حالات:

  • ممكن أن يكون حر، يحب اللعب والمزاح. عندما تخرج هذه الحالة تكون في حالة طفولية .. تتحرك بمرونة وتتصرف بعفوية وتلقائية.
  • الطفل يمكن ايضا أن يكون متكيّف، -مذعن- وهذه النسخة تكونت عندما وصلت لسن معين وقررت التنازل فيه عن حريتك وتحولت بها لطفل لا يقول كلمة لا حتى يتقبله المحيطون به. هذا الطفل صوته منخفض، جلسته محنية، وعينه مكسورة. ويظهر عندما تكون الظروف المحيطة بك قاسـية وصعبـة وتشعر بأنك لا تعرف ما الذي عليك فعله.
  • الشكل الثالث لحالة الطفل هو الطفل المتمرد، وهذا الطفل دائما في صراع ومنافسة مع غيره، عنيد ويحب الرد والهجوم! 

الوالد

الشخص الثاني الذي يسكننا هو الوالد

الوالد تشكّل بداخلك من خلال تعاملك مع أبيك أو أمك أو حتى مدرّسك .. أي شخص كان لديه سلطة عليك

ويظهر في المواقف التي تستدعي الحنان، التي يُطلب منك فيها أن تكون مسؤول فتستمع، تطبطب تنصح وتوجّه -تلك هي حالة الوالد الراعي-. 

ولكن هناك أكثر من حالة لشخصية الوالد تماما مثل شخصية الطفل. 

فمثلا هناك الوالد الناقد، وهذا يكون شخص قاسي، لا يعجبه شيء ولا يتوقف عن اللوم والتعليقات والأوامر.

ويظهر في المواقف المستفزة التي تخرجك عن إطار التعليم والتفهم والحكمة

البالغ

الشخص الثالث هو البالغ أو الأنا الراشدة. هذه الحالة تشبه الحاسوب لا تعرف غير المنطق والحسابات والتجرد من العواطف

وفيها يمكنك ضبط إنفعالاتك بعيدا عن تلقائية الطفل وحنان أو قسوة الوالد


كل واحد من تلك الشخصيات له تعبيرات وجه مختلفة ولديه طريقة تميزه سواء في الكلام أو بنبرة الصوت وايضا طريقة مميزة بالحركة والمشي!

ما الذي ستسفيده من معرفتك لهذه التفاصيل؟

من المهم أن تعرف في كل تفاعل من هو الشخص الذي يتكلم:

  • أي شخص من الشخصيات الثلاث هو من يتحدث على لسانك؟
  • ومن هو الشخص المقابل لك الذي يرد عليك!

في كل تفاعــل أو تعامــل مــع أحــد، شخص من هؤلاء الثلاثة يخاطب شخص من الثلاث شخصيات الموجودة في الطرف الآخر.. الطبيعـي والسـليم أن من أوجه له الكلام هو من سيجيبني، وليس أن أحدث شخص فيرد علي شخص آخر .. فينتهي الحوار بشكل غير مناسب.

فمثلا من الطبيعي أنك عند عودتك إلى البيت بعد يوم عمل متعب ومرِّهق وتقول لزوجتك بمنتهـى الهـدوء والعقـل بحالـة الأنـا الراشـدة: أنـا جائع جدا هل حضرتي الطعام؟ 

الطبيعي أن تجيبك بــ (الأنــا الراشــدة) الــموجودة بداخلها فتقول لك : أجل الطعام جاهز، أو لقد كنت مشغولة اليوم لم يكن لدي وقت لتحضيره. هذا يسمى تفاعل طبيعي. 

ولكن عندما تجيبك بنبرة مليئة بالظلم والإهانـة وعـدم التقدير وتقول: ألا ترى أي أحد غيري؟ أنا أشقى وأتعب طوال الوقت وأنت تأتي لتطلب وتأمر!!

هنا (الطفـل المذعــن- المتكيــف) الـموجود بداخلها هو من يجيب ويشتكي، لو كنت مدركًا للتقسيمة السابقة ستتمكن من التعامل مع الموقف بشكل أفضل.

كل حالـة يوجد لها مفتـاح.. وكل شـخصية فيهم لها مدخـل.. على سبيل المثال عندما تتحدث لشخص منزعج وغاضب ويعيش في حالة (الطفــل المذعــن- المتكيــف).. انتبه لنقطة أنك عليك أن تخاطب فيه الحالة الظاهرة فتمازحه وتحدثه بالعواطف -لا تحدثه بحالة الوالد وتغضب منه وتلومه ولا بحالة الراشد وتكلمه بالمنطق.

الطرح


ايضا في بعض الأحيان قد ترى فتاة في الشارع وتحس تجاهها بحب مفاجئ وقوي وسريع. ومن دون حتى أن تقول هذه الفتاة كلمة واحدة تجد نفسك مؤمن بأنها أروع فتاة في الدنيا. 

مثال آخر: شخص ما لم يقل لكِ صباح الخير فتجدين نفسك تشعرين تجاهه بالغضب الشديد وتحكمين عليه من هذا الموقف الصغير بأنه يكرهكِ ويستحق أن تكرهيه. 

الشعور في تلك الأمثلة نابع من ما يسمى الطرح

الطـرح معنـاه ببسـاطة إعادة توجيه مشاعر وأفكار تجاه شخص معين في الحاضر (بشـكل غـير واعـي)  في حين أن أصلها كان تجاه شخص آخر مختلف تماما في الماضي.

ويمكن أن يظهر بأشكال مختلفة: حــب.. كــره.. غضــب.. تقديــس….

حسنا! كيف يمكننا التمييز بين مشاعر الطرح ومشاعرك الحقيقية؟

عندما تجد مشاعرك تجاه شخص ما طاغية جدا وسريعة جدا وبدون مبرر فأنت غالبا لا ترى هذا الشخص بعينه بل تتعامل بمشاعرك مع شخص آخر من ماضيك بدون وعي منك. 

ايضا انتبه لهذه الفكرة في التعامل مع الآخرين، عندما يحدث بينك وبين شخص ما مناقشة عادية ولسبب تافه تجد منه رد فعل قوي وعنيف وغير متناسب ابدا مع الموقف غالبا هذا الشخص لا يحدثك أنت بل يحدث شخص آخر قديم في شخصك.

دراما الآخر


كل شخص ستقابله في حياتك يوجد داخله سيناريو قديم.

مجموعة من الأحداث الحياتية التي تعرّض لها في مرحلة ما من حياته، ستجد مثلا 

  • الشخص الذي لايزال بداخله شكل وتفاصيــل علاقتــه بأبـيه وكيف أنه كان طيبا وحنونا وصبورا معه. 
  • والشخص الذي لايزال يحتفظ بمشاعر خوفه مـن أخـوه الكبـير..
  • والشخص الذي يشتاق لأمه.
  • والفتاة التي لم تتمكن من نسيان الرعب الذي أحست به عندما فقدت أمها بالسـوق وهـي صغـيرة..

درامـا موجوة داخل كل واحـد أو واحدة.. كل حـدث أو مشـهد أو حكايـة من تلك ترك رسالة نفسية مهمة.

رسائل يعيش بها الشخص عمره كله ويبني عليها حياته ويتعامل على أساسها مع الناس. 

  • ستجد من وصلت إليه رسالة مضمونهــا “أنت لا تستحق” 
  • وهناك من وصلته رسالة تقول “لا أحد سيعطيك أي إهتمام إلا إن كنت صانع للمشاكل” 
  • شخص ثالث وصلته رسائل مجملها يقول: “لن تستطيع فعلها وحدك” 

الكثيرون وصلتــهم رسائل بهذا الشكل ولا يكون أمامهم خيار إلا أن يصدقونها لأنها أتتهم من أقرب الناس وفي وقـت وعمـر وظــروف اجبرتهم على الاستسلام لها.

والأصعب من ذلك، أن الشخص هنا سيسعى طوال الوقـت لتحقيق تلك الرسائل وكأنهـا نبـوءة.. وذلك لسـبب بسـيط.. 

هو لم يعرف عن نفسـه من المحيطين به في ذلك الوقت غير هذا! ولم يتعلم عن الحياة والعلاقـات في ذلك الوقت شيء آخر.

في الحياة اليومية ستقابل هذا الشخص، ستجده يبحث عن شخص ما ليلعب دور في مسرحيته كي يحافظ على سير أحداثها وتحققله النبوءة المؤمن بها في النهاية. 

واحيانا يقع عليك أنت الاختيار

قد تجد شخص ما يُخرِج منك كل شر.. ويســتفز فيــك كل غضــب.. ويتصيــد لك كل خطــأ.. حتى يُلبِسك دور الشرير المتسلط المفتري. ويؤكد لنفسه رسـالة “كل النـاس أشرار، وأنـا فقط الطيب”..

وقد تجد شخص يشكرك دائما ويعبر لك عن امتنانه بدون أن تفعل أي شيء.. فلا يتحرك إلا بإذنك ولا يفعل شيء بدون مشورتك، كي يلبسك دور الشخص القوي المخلص ويعتمد عليك ويؤكد لنفسه رسالة ” لا يمكنني الاعتماد على نفسي ا”..

ستجد من يحاول أن يلبسك دور الجاني ومن يحاول أن يلبس دور الضحية ومن يحاول أن يلبسك دور المنقذ.

لا تجعل نفسك طرف في لعبة درامية بائسة، لا هي لعبتك ولا أنت قادر عليها..

الاضطرابات النفسية


تتداخل عشرات العوامـل حتى تحدث الاضطرابات النفسية

طريقة التربيــة مــن أهــم تلك العوامــل، ومعاملــة الأب والأم، والرسائل التي وصلـت للأبنـاء مـن خلالهما.

تلك الرسـائل النفسـية مع تكرارها وتأكيدهـا مـن الأب والأم تتحول لجزء لا يتجـزأ مـن التكويـن النفـسي لدينا.

بعد ذلك ستخرج من داخلنا بشكل تلقائي وكأنهـا صفة أصيلة فينا من البداية.

أن الشخص الذي وصلته رسائل من نوع

  • “أنت لا تستحق”،
  • “ياليتنا لم ننجبك”
  • “أنت أقل من غيرك”
  • “انظر لفلان فهو أفضل منك”

سيكبر وستظل تلك الرسائل بداخله.. سيحدثه صوته الداخلي دائما هكذا … أنت ضعيف … أنت غير كافي…. أنت سيء …. فلان حقق كذا وأنت لم تفعل…

يمكن أن تكون تلك الرسائل بالتصرفات.

مثلا شخص يقال له بالـكلام اختر مسـتقبلك وقم بكل شيء ترغب فيه ولكن يقال له بالتصرفات اياك أن تكون غير المشروع الذي أتمناه أنا.

أو  فتاة يقال لها بالكلام أنتي حرة ومعززة ومكرّمة ولكن يقال لها بالتصرّف أنتِ عار ووجـودك جريمـة وذنـب.

هل تتخيل كيف سيشعر هؤلاء الأشخاص داخليا؟  شعورهم بأنفسهم وبالعالم من حولهم سيأخذ أي شكل؟ 

بدون الدخـول في تفاصيـل مؤلمـة، هؤلاء للأسف هم مادة خـام وتربـة خصبـة للمـرض النفسي.. 

بصورة عامة الأمــراض النفســية هــي إمــا جنــون،أو دفاعـات ضـد الجنـون. 

  • أي أن الشخص الذي سيستطيع تحمّل واقعـه المـؤلم، ويحتفـظ ببعض مـن عقله في مواجهـة تربيتـه وظروفـه وجيناتـه، سيصاب بأمـراض مثل الاكتئـاب والقلـق واضطرابـات الشـخصية.. 
  • أمـا الشخص الذي لن يتحمّل الواقــع والظــروف والضغــوط والصدمــات النفســية التي رآها طوال حياته فهو سيقرر بشـكل واعـي أو غـير واعـي بأنه سينفصل (ينفصـم) عـن الواقـع تمامـا، ويخلـق الواقـع الخاص به!

الجهاد


هناك نقطة مهمة، كثير مانجد شخص مؤهل كي يكون  مريـض نفسي.. لكنـه لم يمرض نفسـيا بالرغـم مـن ذلك! وذلك بسبب عامــل مهــم آخر في حدوث وعــدم حــدوث المــرض النفسي

هذا العامل هو القرار

الطفــل الذي يســتقبل رسائل نفســية مؤذيــة لسنوات عديدة  عنـد سـن معـين يقرر (احيانا بشـكل واعـي واحيانا بشـكل غـير واعـي)، أن لا يكون نفسه مرة ثانية. كي يُعفي نفسه مــن الأذى ويتمكن من العيش

 واحيانا يكون هذا القـرار مُخزَّن في نفسه لسنوات طويلـة، وتحــت الظــروف المواتيــة، يقرر الاستسـلام للواقـع ، و التســليم للضغــوط عندما تحدث. 

فتجد شخص قد قرر أن يكون انطــوائي.. وآخر قرر أن يكون اعتمادي .. واخرى قررت أن تصبح هستيرية .. واخرى قررت أت تكره جسدها .. وآخر قرر أن يكره نفسه .. وآخر قرر أن يفقد عقله ويصاب بالجنون.

نحن في لحظة انطلاق شرارة المرض النفسي يكون أمامنا فرصة الإختيار. 

الشخص الذي مرّ بتلك اللحظة سيتذكّرها جيدا ويكون مقابله خياران اثنان:

  • إما المقاومة 
  • أو الاستسلام للأفــكار وللوســاوس..

إما التحمــل، وإمــا الاستســهال والدخــول في كهــف الاكتئــاب المظلــم.. إمــا التعامــل مــع النــاس مهــما كان ذلك صعب، أو الغاؤهــم واختــلاق صــور وأصــوات وأشــكال ونــاس وهــلاوس وضــلالات.. إمــا الحيــاة، وإمــا المــوت..

قبل أن نختم فقرة القرار، هناك شيء أخير يجب الإشارة إليه: القرار لا يمكننا تعميمه على كل الأمراض النفسية فالأمراض النفسية التي سببها اضطراب عضوي في المخ مثلا،  للأسف تحدث بدون أي قرار من المريض

الصورة الكاملة


هذا الكتاب يمكن أن يترك لديك انطباع مزعج تجاه الأهل والمجتمع بسبب كمية الرسائل المؤذية التي وصلتنا منهم، ولكنك لو رأيت الصورة الكاملة فذلك الإنزعاج سينقلب لرحمة

في الحقيقة إن كنت ضعيف ومظلوم فأباك وأمك مظلومان أكثر منك، ولو أنك تعرضت لتشويه نفسي فهم تعرضوا لضرر أكبر وأشد من قبل أهلهما .. أجيال تسلّم أجيال. 

ماقاموا به معك هو  الشيء الوحيد الذي عرفوها وشاهدوها وتربوا عليها وتعلموها.

بدلا من أن توجّه طاقتهم للغضب ناحيتهم وجّهها تجاه الاحتياجات التي ترى بأنك حُرمت منها وحاول تلبيتها لنفسك

ثقوب نفسية


يوجد في داخل الكثير منّا ثقوب فارغة نحاول أن نملأها بطرق وأشياء مختلفة، 

  • هناك من يملؤها بنجاحـات مدويـة وخارقـة ومبهـرة.. 
  • وهناك من يحاول ملأها بنظـرات إعجـاب في عيـون النـاس.. 
  • وهناك من يحاول ملأها بنهــم غــير مــبرر للمال..
  • وهناك من يحاول ملأها بالدخـول في قصـص حـب متكررة سـطحية زائفـة.. 
  • وهناك من يحاول ملأها بإدّعائه علم أو حكمـة أو ديـن مـن غـير عمـق أو أصالـة أو حقيقـة..

ولكن للأسف كل ذلك لن يملأ أو يسد الفراغ النفسي الموجود.

هذا الفراغ لا يمتلئ إلا بأمر واحد وهو أن “تصدّق بأنك تستحق”

  • احيانا يشكك المجتمــع بهذه الرسالة وأحيانا يوصل لك عكسها.
  • قد يصل إليك من الأب والأم في بعــض الأوقــات أنك لا تستحق حبّهم أو إهتمامهم أو رعايتهم أو قبولهم.
  • ويمكن أن يصلك رسالة بأنك تستحق فقط بمقدار انصياعك لرغباتهم وتنفيذ أوامرهم. 
  • يمكن أن يوصل لك المجتمع أنك تستحق فقط على قدر المال الذي تمتلكه.

إن احتفظت بهذه القناعات وصدّقتها سيستمر الثقب الأسود في داخلك مهما حققت من انجازات.

لن ترضى ولن تشعر بالإنجاز إلا عندما ترفض تلك الرسائل وتصدق أنة تستحق ذلك سيكفيك.