كتاب التخلف الاجتماعي

كتاب التخلف الاجتماعي

عرض وملخص كتاب التخلف الاجتماعي : مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور

مصطفى حجازي

التخلف الاجتماعي

كان يامكان كان هناك قرية بعيدة كان الناس فيها يعيشون بسلام؛ إلى أن أتى ضيف غريب إلى قريتهم وتسبب بإصابة القرية بمرض غامض. هذا المرض كان يغير طباع الشخص الذي يصيبه ويحول شخصيته ١٨٠ درجة.

الاصابات كانت متفاوته ودرجة تأثرهم بالمرض كانت مختلفة، هناك اشخاص قضى عليهم المرض تماما، وهناك اشخاص لم تظهر عليهم اعراض المرض اصلا، وهناك اشخاص تفاوتت الأعراض لديهم بين هذين الإثنين.

المرض كان اسمه التخلف

والضيف الغريب اسمه القهر

——

كل فترة يخرج شخص ما ويقول بأن دولنا وشعوبنا هي شعوب متخلفة، وأن هذا هو طبعها أساسا، وبأنها تفهم لغة الكرباج، ولاينفع معها شيء سوى التسلط وبأن تلك هي طبيعة مترسخه فيهم، يرون بأننا شعوب كسولة، لدينا ازدواجية معايير ونتقبل الظلم بدون أخذ ردة فعل تجاهه.

لكن فى الحقيقة التخلف لا يقوم على عوامل ثقافية أو عرقية، وكل ما قيل هو عبارة عن تحيزات غير صحيحة يقدمها المتسلط كي يبرر ما يقوم به.

 التخلف مرض والمجتمع المتخلف مجتمع مريض ومشاكله كلها مجرد اعراض جانبية تظهر كرد فعل للقهر الذي يمارس عليه ويمكن حلها بمعالجة المرض الأساسي؛ ومن الممكن لأي مجتمع أن يصاب به ويتعالج منه فهو ليس حكر ولا طبع لعرق معين مثلا

——

درجة اصابة المجتمع والفرد للتخلف تختلف، وغير ثابتة، ويمكن أن تكون متأصلة جدا في الشخص، وفي هذه المرحلة أي مشاريع تنويرية لن يكون لها أي قيمة وستفشل طالما أن أسباب التخلف لاتزال موجودة

مثل قرية كان أهلها يتعرضون لظلم شديد، حاكمهم لديه كرباج يضربهم به، ولذلك يستمرون بكبت الظلم الذي يتعرضون له إلى أن يأتي يوم ويصلون لمرحلة الانفجار! فيطردون الحاكم خارج قريتهم، ويختارون واحدا منهم ليتولى الحكم. رائع! ولكنهم ايضا سيعطونه الكرباج ليضربهم به ثانية ويحولونه لمتسلط جديد وسيبقون عالقين في دوائر مغلقة.

التخلف ظاهرة كلّية ويجب أن يكون علاجها شمولي، فلا يجوز أن نعالج اعراض أو حتى أسباب جانبية ونهمل أهم أمر وهو علاج وتقويم الشخصية التي يكونها التخلف في الشخص المقهور

كلمات مثل القهر والتسلط ستدفعك لأن تعتقد بأنني أقصد مواطن وحاكم أو دولة وقوة استعمارية مثلا، ولكن الموضوع أشمل بكثير.

علاقة القهر يكون فيها طرفان، طرف مقهور وطرف متسلط.

يمكن أن تكون تلك العلاقة في البيت بين الأب وأولاده، أو بين الزوج وزوجته بين المدير والموظفين أو بين الكبير والصغير وبين الاستاذ والطالب

حتى حب الأم لأبنائها بالرغم من العاطفة التي تقدمها لهم ولكنها غالبا مايغلب عليها الطابع التملكي، فهي تعطيهم بصورة غير محدودة ولكنها تبتزهم عاطفيا و تحدد قراراتهم على هواها وتختار لأولادها مصائرهم 

حتى أنه من الممكن أن يُمارس القهر على الحيوانات والجماد

كل صاحب سلطة يمارس التسلط على الشخص الأقل منه، المجتمع كله عبارة عن سلسلة من التسلط الغير منتهية.

——

الشخص عندما يتعرض للقهر فإنه يتجه لوسائل دفاعية كي يحقق توازن نفسي يمكنه من الاستمرار بالحياة مثل:

الهروب الى الذات


فيرفض ويكره نمط حياة المتسلط وينسحب ويتقبل مصيره ويهرب من احساسه بالعجز

الاغاني الشعبية التي تعبر عن المجتمع لن ينجح منها إلا الأغاني الحزينة القائمة على الجرح والغدر والمليئة بالتشاؤم. والناس تحب سماعها لتعزي نفسها

الهروب الى الماضي


فيختار فترة مضيئة من تاريخ اجداده فيها الأمجاد والأبطال ويهرب إليها. يتبنّاها ويراها مصدرا لهويته وامتداد له. وممكن أن يحارب أي شخص يحاول الخروج عن ماهو متعارف عليه ويحول الاعراف لقوانين غير قابلة للنقد

الهروب الى الجماعة


يحتمي جماعته التي ينتسب إليها، ويعوّض بذلك كل اخفاقاته ،ويقسّم العالم لقسمين الأول هو الجماعة والأهل وهم بالطبع مصدر كل خير، والثاني هو بقيه العالم كله وأي أمر يأتي منهم يعتبره مصدر شك

 كلما ازداد الضغط على أفراد الجماعة كلما احتموا بأنفسهم أكثر وهنا تتولد الطائفية. 

ليس شرطا أن تكون الجماعة مكونة تبعا لأساس اجتماعي ولكن قد تكون بين أفراد مشتركين في وجهات نظر وممكن مهنة واحدة! 

ويتحول المجمتع إلى تكتلات وجزر كل مجموعة تحاول أن تستحوذ على أكبر امتيازات ممكنة

فتجد بأن أعضاء مهن معينة يستحوذون على امتيازات معينة فكأنهم في وادي وبقية الناس في وادي آخر.

الهروب بالاستعراض


الشخص هنا يركز اهتمامه على الاستعراض والمظاهر

فيكون لديه عقدة الوجاهة والمظاهر، فأهم أمر بالنسبة له هو أن يظهر وجاهته وسط جيرانه البؤساء.

 الناس تتسابق على الاستهلاك بشراهه، ويسعون لاستعراض موائدهم ويرونه دليل على أنهم استطاعوا الهروب من الجوع والحرمان.

فيقيمون وليمة كبيرة، يأكلون منها طبقين ويرمون الباقي بدون اكتراث. 

ممكن أن يعوّض الشخص نفسه عن أي احباط له في الحياة بالافراط في الأكل.

الهروب للخارج


سيعيش حياته غارقا في الأوهام ويقتنع بالحلول السحرية .ويرى بأنه فشله يمكن أن يختفي في اليوم التالي هكذا من دون أي مجهود منه، فليس مهما أن يصلح أخطاءه أو يحلل أسباب فشله ولكنه يطمئن لفكرة أن كل المشاكل سوف تنتهي وتحل من تلقاء نفسها.

وقد يتبنى النظرة السلبية، فيرى بأن هذا هو قدره الذي عليه تقبله، فكل ماحدث له ليس له سيطرة عليه ولا ينبغي عليه أن يشعر بالذنب لأنه ليس مسؤول عن أي شيء.

“خالد” توفي والده عندما كان صغيرا وقام عمه بسرقة ماله، ولكنه عندما أصبح شابا سيقول لكل من ينصحه بأن يذهب إلى عمه ويأخذ حقه؛ هذا قدري ونصيبي وأنا راضي به.

في حقيقة الأمر هو يحاول البحث عن أي تفسير لا يجعله السبب في المشكلة. أي تفسير يوفر له منفذ يوجه إليه تهمة أنه مصدر للمشكلة وهنا تظهر نظريات المؤامرة التي ستجعله يشعر بالامتياز وترضي غروره بالطبع، لأنه يشعر بأنه متفوق وبأن العالم كله يتآمر عليه.

سيبحث عن أي شخص ليحملّه المسؤولية، من الممكن أن يلجأ مثلا لرد الاعتبار بالانتقام من طرف أضعف، ومن ثم  يبرر الاعتداء عليه واستباحته بأنه هو السبب في المشكلة وعندما أتخلص منه مشكلتي ستُحل.

أو تلك البلد التي خسرت الحرب، واعتبرت بأن ذلك حدث بسبب الهنود الحمر الموجودين فيها، فحُكم عليهن بأنهم خونة، ويجب أن يوضعوا بمعسكرات وتضرم فيهم النار! 

فبذلك، وبدون أي دليل اطلقوا الحكم وحكموا عليهم ونفذوا الحكم!

الهروب بالتشبه بالمتسلط


 سيتشبه بالمتسلط ويقلد نمط حياته ويتبنى قيمه وطريقة تفكيره ويراه بصورة أكبر من حجمه وبأن لديه قوه خارقة فيعترف له بفرض سيطرته عليه.

تجده يتنكّر لنفسه ولجماعته بل ويسعى لتدمير أصالة أهله ونمط حياتهم بالكامل فيعتبرهم بأنهم كائنات برتبة أقل وبأنهم السبب في كل ما حدث له، ويتحول لمتسلط آخر على من هم أضعف منه.

أكبر كبش فداء يسقط المقهور ضعفه عليه هو المرأة. فيعوض قهره بالتسلط عليها لكي يحافظ على كبريائه وتوازنه.

لماذا فشلت؟ لبس المرأة هو السبب!

سيرمي  كل الأسباب الحقيقية عرض الحائط ويرى بأنه الضحية وبأنه لايوجد أي شيء خاطئ من طرفه، ففشله سببه الوحيد هو المرأة!

 هو لم يدرس الموضوع أو يخطط له ولم يعمل ولذلك فشل، ولكنه عوضا عن اعترافه بذلك يحاول أن يتدارك الموقف ويجد سببا ليلقِ عليه التهم، وهنا المرأة هي السبب وهو مجرد ضحية!

ولكي تحافظ المرأة على توازنها تلجأ لنفس الاساليب الدفاعية مع اساليب جديدة ايضا كالمبالغة في النرجسية فترى نفسها بمنزلة سامية وتبالغ في تضخيم نفسها واحساسها باهميتها، وتسعى للسيطرة على الرجل بصور غير مباشرة كأن تبالغ في اظهار ضعفها مثلا او التنغيص والمكر وهكذا

الهروب الى العنف


اخر وسيلة دفاع للشخص المقهور هي أن يصرّف القهر للخارج فى صورة عدوانية. في البداية تكون غير مباشرة ورمزية، مثل الكسل

المتسلط يريد من المقهور أن ينجز عمل جيد يخدم مصالحه، فيحاول أن يزرع فيه أهمية العمل كي يرفع قيمة الشركه أو الدولة، والمقهور سيتظاهر بالعمل وهو مقتنع تماما بأن جهده لن يفيده بشيء ولن يحسّن من وضعه فتبدأ الرشوة بالظهور، وذلك مايخلق مشكلة الازوادجية والكذب.

البائع يكذب على المشتري وكل منهم ينظر للآخر على أنه مجرد أداة يحاول الاستفادة منها على أكمل وجه.

  • الكذب موجود في الزواج والحب في ادعاء القيم والتصنّع 
  • كل العلاقات غير حقيقية وقائمة على التضليل
  • المجتمع كله قائم على الفهلوة.
  • ويظهر التعصب السياسي الذي يتناسب مع العدوانية
  • والتعصب الطائفي الذي يستغله المتسلط والذي هو السبب فيه أساسا ويغذيه كي يفرض سلطته عليهم ويفهمهم بأنه هو الوحيد القادر على تطبيق القانون ووضع النظام

المقهور يشعر بعدم الانتماء والغربة، فيخرب ممتلكات الدولة يشوّه الشوارع ويكسّر اشارات المرور ويراها بأنها ملك المتسلط وليست ملكه، فهو يشعر بالغربة في بلده

اخيرا، العنف المباشر


وهنا يستغل المتسلط عنف المقهور كي يتهمه بالعدوانية، فيقول هؤلاء هم اشخاص عنيفون ولا يجوز التعامل معهم بغير القسوة ويجب أن يحكمهم حاكم قوي مثلي تماما فأنا الوحيد وطريقتي هي الوحيدة النافعة في حفظ النظام

سآتي وأطرد أهلك من بيتهم وأسرق أرضك وأمارس ضدك كل اساليب العنف، وأنت إن حاولت الدفاع عن نفسك والرد بأبسط الطرق عندها سأتهمك بكل تهم الإرهاب الموجودة.

المقهور مطالب بأن يكون مسالم بالرغم من العنف الذي يتعرض وأي مبادرة عنف منه ستكون مبرر ضده لعنف أكبر.