ما التعويض الحسي؟ كيف يعمل الدماغ؟ وهل هناك مناطق محددة في الدماغ مخصصة للغة واللمس والرؤية؟ للإجابة عن هذه الأسئلة يجدر بنا ذكر اختراع بول إي ريتا، فقد اخترع جهازًا في أواخر ستينيات القرن العشرين يمكن مكفوفي البصر من الرؤية عن طريق حاسة اللمس، وكان الجهاز عبارة عن كرسي معدل من الكراسي المخصصة لعلاج الأسنان، وبه أربعمئة دبوس هزاز، وكانت الدبابيس موضوعة في مسند الظهر ومُرتبة في مصفوفة من عشرين دبوسًا طولًا وعرضًا، وتتصل بكاميرا كبيرة لتصوير مقاطع الفيديو تقف خلف الكراسي على حامل ثلاثي القوائم كبير الحجم. ثم جربه بول إي ريتا على مجموعة من مكفوفي البصر كان من ضمنهم عالم نفس فقد بصره وهو في الرابعة من عمره، وبمجرد جلوس الخاضعين للتجربة على الكراسي، ومع تحريك الكاميرا ببطء من جانب إلى آخر باستخدام المقبض، كانت الصورة الموجودة على الكاميرا تتحول إلى نمط من الاهتزازت على مصفوفة الدبابيس المثبتة في مسند الظهر. ومع كثرة التدريب تعلم الخاضعون للتجربة استخدام إحساس اللمس لتأويل المشاهد البصرية بدقة، وعلل "بول إي ريتا" بأن السبب وراء ذلك هو آليات تقاطع الأنماط التي تحول المعلومات المعبرة عن حاسة واحدة كالرؤية إلى حاسة أخرى، ويعبر عنها من خلال هذه الحاسة، مثل: اللمس أو الصوت. كما أوضحت دراسات تصوير الدماغ أن القشرة البصرية تنشط حين يقرأ المكفوفون بطريقة برايل، فهي تستلزم تحكمًا دقيقًا في الحركة وتميز اللمس للتعرف على أنماط التقاطع المرتفعة. ليس هذا فحسب، بل يمكن للمكفوفين تعلم التنقل من خلال تحديد الموقع بالصدى، عن طريق إصدار أصوات نقر بألسنتهم أو بأقدامهم واستخدام المعلومات الواردة من الصدى العائد لإدراك الجوانب المادية المحيطة بهم. ويساعد في هذا أن جهاز الرؤية مقسم إلى مسارين متمايزين يمتدان بالتوازي عبر الفص القذالي في الجزء الخلفي من الدماغ، أحدهما مسار المكان وهو مسار علوي يعالج المعلومات المكانية، والآخر مسار الماهية وهو مسار تحتي يساعد على تعرُّف الأشياء، وهذه المنظومة تظل موجودة لدى مكفوفي البصر، فعندما يتعلم المكفوفون تحديد المكان بالصدى، ينشط الجزء العلوي من القشرة البصرية وينشط الجزء السفلي عندما يميزون الأشياء.