رحلة الذاكرة.. من الصور إلى الكلمات بالنسبة إلى القدماء، لم تكن الذاكرة مجرد وسيلة للحفاظ على الماضي، بل كانت أداة لما نسميه الآن التفكير الإبداعي، إذ اعتقدوا أن من الممكن صياغة أفكار جديدة وإبداعية، وذلك من خلال بناء ذاكرة منظمة، كما آمن اليونانيون وخصوصًا أرسطو بأن الإدراك يتم نقله إلى العقل "أو الدماغ بالتعبير الحديث"، وهناك يتم تفصيله إلى صور عقلية، وبالنسبة إليه، كان تكوين الصور العقلية مشابهًا لتتبع يتم إنشاؤه على الشمع بواسطة خاتم، إذ تتوقف قوة الذكرى على حالة الشمع أي الدماغ، واعتبر أرسطو الصور العقلية جزءًا أساسيًّا من عملية التذكر، وفي القرن الرابع عشر اتفق "توماس برادواردين | Thomas Bradwardine" مع أرسطو، وأضاف أن قدرة التذكر تزيد حين تكون الصور في أقصى درجات المبالغة الممكنة، وفي القرن الثالث عشر، أشار "بونكوبانيو دا سينيا | Boncompagno da Signa" الذي كان خبيرًا في فن الخطابة إلى عدة صفات تقوي الذاكرة، ومنها: التأمل، والدراسة، والرغبة في الثناء، كما اقترح خمس حالات عقلية تعارض قوة الذاكرة، ومنها: القلق، والجشع. ويأتي القرن التاسع عشر ليهدم التصورات التي بُنيت على التكهن، ويبدأ عصر التجارب العلمية، وكانت البداية عن طريق التجارب المطولة التي أجراها عالم النفس التجريبي "هيرمان إبنغهاوس | Hermann Ebbinghaus"، واكتشف من خلالها حقيقتين حاسمتين حول الذاكرة، الأولى هي منحنى النسيان: أي فقدان المعلومات الذي يحدث بعد تكون الذكرى، وأوضح أن النسيان يكون أكبر خلال العشرين دقيقة الأولى، مع انخفاض إضافي في الساعة الأولى، والحقيقة الثانية هي منحنى التعلم: وهو مقياس مدى سرعة تعلم الشخص لمعلومات جديدة، كما اكتشف أن عملية التذكر التي تعتمد على تكرار شيء ما بنفس الترتيب مرارًا وتكرارًا، هي عملية محدودة الأثر، وفاشلة كما أنها صعبة التطبيق.