التغيرات الدماغية المستمرة على مدى الحياة متى يبدأ دماغ الإنسان في النمو؟ في الحقيقة تبدأ المرونة العصبية في تشكيل الدوائر العصبية خلال تشكلها في الرحم، وبالأخص في منتصف الثلث الثاني من الحمل، إذ تبدأ وصلات الأنظمة الحسية الطويلة النطاق في التشكل، مما يساعد الجنين على إدراك المحفزات البيئية المختلفة، وعليه فقد أكد الباحثون أن العمليات الإدراكية -كالانتباه والذاكرة- موجودة قبل الميلاد. وكذلك تتأثر مرونة الدماغ من خلال خبرات المراحل المبكرة من الحياة، فقد أوضحت دراسات جربت على فئران أن الفئران التي تلقت رعاية من أمهاتها في الطفولة تأثرت سلوكياتها مقارنة بالفئران التي لم تحظ بالرعاية أو حظيت بالقليل منها، وأشارت الدراسة إلى أن هذه النتائج تنطبق على البشر أيضًا. وأما في مرحلة المراهقة فالدماغ البشري يصل إلى 80٪ من حجمه البالغ في سن السنتين، ويكتمل نموه في سن العاشرة، بينما تغيرات المرونة حتى المراحل المتأخرة من المراهقة، وعليه فالدماغ لا يصل إلى نصفه الكامل حتى منتصف العشرينيات. ثم تأتى بعدها فترة الأبوة والأمومة بما تحمله من خبرات تستحث المرونة العصبية، في هذه المرحلة تحدث تغيرات بسبب صلة الأم بصغارها، فقد لاحظ الباحثون اختلافًا أكبر في أدمغة الحيوانات التي تتفاعل أكثر مع صغارها مقارنة بغيرها ممن تتفاعل بشكل أقل مع صغارها، وهذه التغيرات تشكل سلوك الأمومة، إذ تعد الدماغ للأمومة وتزيد من دافع الأم لرعاية صغارها، وبناءً على هذه التجارب فقد أكدت دراسات التصوير العصبي الطويلة أن تغيرات بنيوية مماثلة تحدث لدى الأمهات من البشر. وهذه التغيرات لا تقتصر على الأم فحسب، فقد وضحت الأبحاث أن الأبوة تستحث بعض تغيرات المرونة في الدماغ، وقد نُشرت أول دراسة تصوير عصبي عام 2014 تشرح التغيرات التشريحية الدماغية المرتبطة بالأبوة، وأوضحت أن بعض التغيرات التي تحدث أشبه بالتي تحدث عند الأمهات الجدد. ثم تأتي المرحلة الأخيرة للدماغ وهي فترة الشيخوخة، وفيها تموت العصبونات على وجه التحديد وتقل درجة تماسك المادة البيضاء، ويظهر هذا بالدرجة القصوى في قشرة الفص الجبهي والحصين الذي يبدو لسبب ما عرضةً لآثار التقدم في السن، وعليه يقل حجم قشرة الفص الجبهي بدرجة كبيرة ويقل الوزن الإجمالي للدماغ بشكل ملحوظ.