أنواع الناصحين ينقسم الأشخاص الذين يُعلِّقون على تصرفات الآخرين قسمين: الأول يلتزم شروط النصيحة وأساليبها ويريد الخير لغيره كما لنفسه حقًّا ويستخدم ألطف العبارات والجمل ولا ينتظر مدحًا ولا شكرًا، وهذا القسم ليس مقصد الكاتب، بل يوجه إليه الكاتب الشكر. أما القسم الثاني فيمثل الأشخاص الذين لا همَّ لهم إلا صورتهم ومصلحتهم، وتمتلئ قلوبهم بالحقد والكراهية وتعاظم الذات، إذ يرون أنفسهم أتقى وأعلى وأفضل وأعلم مِن كل مَن سواهم، ومِن ثم يعطون الحق لأنفسهم في التدخل في شؤون الآخرين ولا يرون عيبًا في أنفسهم، وحتى نصيحتهم لا تشمل الجميع بل ينتقون، لكن لماذا؟ يرجع هذا الأمر إلى خطأ الإسناد الأساسي، وهي نظرية نفسية تقول إننا نسند تصرفات الآخرين وأفعالهم إلى طباعهم وصفاتهم الشخصية وليس إلى الموقف الذي تظهر فيه هذه الصفات، فإذا رأينا على سبيل المثال شخصًا يُطلق النار سنُسند هذا الفعل إلى كونه شخصًا شريرًا، لكن لو نحن من أطلقنا النار لقلنا إنه دفاع عن النفس، والأمر نفسه لو كان من ارتكب الخطأ شخصًا قريبًا مِنا. أي إننا نسند أفعال الغرباء إلى تصرفاتهم ونسند أفعالنا وأفعال من نحبهم إلى الموقف، وبسبب هذا يقع أفراد القسم الثاني في معضلة لا يشعرون بها وهي أن الفعل الذي يفعله غيرهم ويستخدمونه عذرًا للتدخل في شؤون الآخرين قد يفعلونه هم وأحباؤهم، ولكن لا يتخذون المواقف نفسها، ومن ثم يحدث في عقولهم تنافر معرفي وتتزاحم في عقولهم فكرتان متضادتان، فيلجؤون إلى التحيز لتقليل هذا التنافر، أي إنهم ينجذبون إلى الأمور التي تؤيد وجهة نظرهم، ويبحثون عنها بعزم ويتجاهلون كل ما يخالف آراءهم وقناعاتهم وكل هذا ليتخلصوا من الصراع، لكن مع الأسف تؤدي هذه التحيزات إلى ارتكاب الشخص أخطاءَ كثيرة في حياته لأنه لا يرى الحقيقة، ويحدث ذلك على منصات التواصل الاجتماعي بكثرة، إذ يبحث الشخص عن الأشياء التي تؤكد معتقداته وآراءه الخاصة، وإن وجد شخصًا يقول عكس ذلك فسيتحدّاه ويهاجمه على الفور، ويستمر في البحث عمن يوافقه، وهكذا.