لمحة من بعيد.. أدب مقاوم طالما تميزت البلاد الهندية بعناصر ثقافية وتاريخية صنعت لها طبيعة خاصة، فالهند من أقدم الحضارات ومُستقر للعديد من الأديان والفلسفات القديمة، ومن الطبيعي أن يتأثر مسلمو الهند بهذه الثقافة، فقامت مدرسة أدبية مستقلة لها من العاطفة الجياشة والمشاعر المتدفقة الشيء الكثير، وزاد الوضع القائم من رسوخ هذه المدرسة في الثقافة الهندية الإسلامية، فقد كان المسلمون قلةً حتى عندما حكموا هذه البلاد، وكانت العنصرية الواقعة عليهم من الجماعات الدينية الأخرى تحثهم على التعلق بركب الإسلام والافتخار الدائم بتاريخه وأمجاده، ظهر ذلك جليًّا في قصائدهم الملحمية التي تؤرخ لعصور الإسلام الزاهية وتتغنى بأبطاله، وقد ذاعت هذه الملاحم وانتشرت في الأقاليم الهندية إبان كل كارثة كعزاءٍ وسلوى، وأضافت الجغرافيا شوقًا على الشوق، فسكان ذلك الإقليم البعيد عن جزيرة العرب وحجازها، لا يسعهم الشوق ولا يستطيعون كتم الحنين إلى رسول الله ﷺ، وحين تمتلئ هذه الكأس وتفيض توقًا إلى الرسول الكريم، يصبون هذه العاطفة في أعذب الشعر وأرقه حبًّا ومديحًا في رسول الله، فأحيوا بذلك هذه المدرسة التي ضعفت وقل مريدوها بعد بردة البوصيري. وحل العصر الحديث ليزيد القوم على القلة استعمارًا غربيًّا غاشمًا يطمح للقيادة العالمية، ولا يسمح لأي هوية أن تنافسه في مستعمراته، اهتم هذا الاستعمار كعادته أن ينشئ ويُربي طبقة جديدة على مبادئه ومثله، تُيسر له مهمته وتُخفف من أثر مقاومته والثورة عليه، لكن علماء الهند فطنوا لهذه السياسة، فقابلوها بحراك ثقافي نشط يدور همه حول الرد على تهم الاستعمار وشبهاته الرامية لعزل الجيل الجديد عن أصل ثقافته وقلبها النابض، واعتنى هؤلاء العلماء بالمناهج العلمية الموجهة إلى هذا الجيل تستهدف وقايته من دعاوى الاستعمار، وربطه مع جذور ثقافته، وانعكس هذا النضال المتصل لمسلمي الهند على مدرستهم الأدبية، فظلت أساليبهم وأغراضهم مُتصلة بالدين، مُستمدة هويتها وأمجادها من الثقافة التي صانت هذه القلة من الذوبان قديمًا وحمتها من الاندثار حديثًا.