جذور العجز يشكِّل الحط من قدر الفكر الإسلامي من ناحية، ورفضه من ناحية أخرى جوهر الأوضاع الراهنة للشعوب المسلمة، فكل نجاح وإخفاق من الناحيتين الأخلاقية والسياسية مجرد انعكاس لفَهم هذه الشعوب للإسلام وكيفية تطبيقه في الحياة، فقد كان ضعف تأثير الإسلام في الحياة العلمية للمسلمين مصحوبًا دائمًا بانحطاطهم وانحطاط المؤسسات السياسية والاجتماعية، ولقد شهد العالم بعد وفاة الرسول ﷺ توسعًا إسلاميًّا في أقل من مئة عام على بقعة هائلة من الكرة الأرضية من المحيط الأطلسي إلى الصين، ثم شهد العالم تطوُّر الحضارة الإسلامية في إسبانيا والشرق الأوسط والهند على مدى حقبة من الزمن تبلغ نحو ألف عام، أما اليوم في العالم المعاصر فما الذي يمثله المسلمون؟ أو بصياغة أخرى: إلى أي مدى نحن مسلمون؟! في عام 1919م لم تكن توجد دولة واحدة مسلمة مستقلة ولم تتغيَّر الأوضاع جوهريًّا بعدها، ففي الفترة ما بين الحربين العالميتين لم توجد دولة واحدة مسلمة بلغت نسبة القراءة والكتابة فيها أكثر من خمسين بالمئة، وإذا قارنا هذا الوضع بما ذكره درابر | Draper عن إسبانيا المسلمة خلال القرن الحادي عشر تملَّكنا العجب، فلم يكن حينذاك فرد واحد يجهل القراءة والكتابة، وكل ما لحق بنا نحن المسلمين وما يحدث لنا اليوم إنما هو صدى وتكرار لما حدث من قبل في دواخلنا ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وتتجلى ظاهرة التخلي عن الإسلام في محاولات قمع الفكر الإسلامي من أنشطة الحياة، واختزاله إلى حالة من السلبية والتسطيح، ويظهر ذلك الاتجاه جليًّا في طريقة تناولنا للقرآن، إذ فقد سلطانه كقانون ومنهج حياة وأبقى على قداسته كنص، وأصبح هذا الحال السائد بين الشعوب المسلمة فأصبحوا لا يستطيعون الانفصال عنه، ولكن من ناحية أخرى لا يملكون القوة والإرادة على تنظيم حياتهم وفق منهج القرآن، فقد جاءت كل هزائمنا ابتداءً من غزوة أحد وما تلاها من هزائم لتؤكِّد هذه الحقيقة أنه عندما نتخلَّى عن الإسلام يتخلَّى النصر عنا.