العيش دون عدو للدولة كانت معاهدة الإليزيه في يناير عام 1963م دليلًا على إمكانية الصلح بين عدُوَّيْن قديمَيْن بعد ثلاث حروب مدمرة، كما تدل زيارة بابا الفاتيكان إلى كرواتيا عام 2003م، وما تلاها من زيارات إلى الكيان الصربي في البوسنة والهرسك ومطالبته بالصفح عن الجرائم التي ارتكبها الكاثوليكيون خلال الحروب اليوغسلافية، تدل على أن العيش دون عدو ممكن وإن كان صعبًا، وفي المقابل لا تقر اليابان بالمسؤولية تجاه الجرائم التي ارتكبتها في حق جيرانها الآسيويين، وبالمثل لم تقدم فرنسا اعتذارًا من المجازر التي ارتكبتها في حق الجزائريين خلال فترة الاستعمار، ومن ثم تستمر آليات المحافظة على العداوة. وخلال العقدين الأخيرين، جرت تسويات سلمية لنزاعات حدودية في 55 قضية، ما يعني أن الحرب، بوصفها وسيلة لرسم الحدود، آخذة في التراجع، وتعاونت كل من فرنسا وألمانيا بعد المصالحة لبناء الاتحاد الأوربي وهو كيان نشأ من دون عدو، رغم ذلك يوجد ما يعوق استمرار بقاء الاتحاد الأوربي من دون عدو، إذ تحدد بعض الدول سياساتها بالنسبة إلى واشنطن، والبعض الآخر يظل على الحياد، ومن ثم يرث الأوربيون أعداء الولايات المتحدة الأمريكية، ويظهر ذلك في مشاركة أوربا في حرب العراق باسم التضامن عبر الأطلسي، ويُعد التخلي من طرف واحد عن العنف، ونسيان الماضي أسهل الطرق لتفكيك العدو خلال الحروب الأهلية، لكن نتائجها ضئيلة، وفضلت بعض البلدان مثل روسيا النسيان لدفن سنوات الحقبة الشيوعية. وتُعد الجرائم التي ارتكبها النازيون واليابانيون خلال الحرب العالمية الثانية أولى الجرائم التي جرت محاكمتها بوصفها جرائم دولية، وبالنسبة إلى محاكمة طوكيو، فقد تخلصت اليابان من كل التزام يتعلق بطلب الصفح عنها من خلال أمرَيْن مزيَّفَيْن خادِعَيْن، هما: استخدام السلاح النووي ضد مدينتي هيروشيما وناجازاكي، ما حول دورها من مسؤول عن الحرب إلى ضحية، كما ساعدتها إجراءات المحاكمة على أن تعفو عن نفسها، فكانت هذه المحاكمة فرصة ضائعة لعدالة ملتبسة، إذ طبعت نظرية المؤامرة في الذهن فكرة أن سكان اليابان قد تلوعِب بهم ولا يمكن أن يكونوا مسؤولين عن الحرب، ومن ثم لم تعمل اليابان على الكشف عن الحقيقة والتكفير عن الذنب ولم تقدم أي اعتذار عن جرائمها، وبناءً على ذلك نجد أنفسنا أمام عدالة المنتصر، لا عدالة عالمية حقيقة.