العدو الخفي والعدو الشرير والعدو الإعلامي إن العدو الخفي أسوأ من العدو المعلن، لأنه يدير الأمور في الخفاء عبر الحلفاء الفاسدين، ويمكن أن يكون قريبًا أو على مسافة بعيدة، ومن الملاحظ في موضوع العدو الخفي أنه يعمل في ظل نظريات المؤامرة التي تجعل عبء الإثبات على المتهم وليس المدعي، ومن الأمثلة الحية على استخدام العدو الخفي، إسرائيل التي تعد أي نقد موجه إليها من غير اليهود معاداة للسامية، وأي نقد من اليهود كراهية للذات، وتفضل الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية اللعب بورقة العدو الخفي واستخدام نظريات المؤامرة، لأنها تسمح بتحديد المسؤول عن المصائب الآنية ومشكلات الناس اليومية بإلقاء اللوم على عدو خفي يهدف إلى زعزعة استقرار البلد. وقد نجح هتلر الأسمر القصير ذو العينين الداكنتين أن يقنع الألمان أنه قائد عرق الشُّقر ذوي القامة الطويلة والعيون الزرقاء، معلنًا الحرب على الأعراق الدنيا التي تمثل الشر المطلق، وقد أدى انتصار إسرائيل في حرب عام 1967م إلى ولادة صهيونية مسيحية، تنادي بإسرائيل الكبرى وإنشاء المستوطنات في القدس والأراضي المحتلة لتهيئة الأرض لاستقبال المسيح والقضاء على الشر المتمثل في الكفر، وترى الدبلوماسية الأمريكية أن القيم الغربية مقدسة لا يصح المساس بها، وتؤكد شموليتها مع إقصاء أي ثقافة تخالفها، ووحدها الولايات المتحدة التي تحدد الأزمات المهمة التي تضر بمصالحها بوصفها الأمن الدولي، فباكستان بلد جيد لانتشار السلاح النووي، أما إيران فبلد سيئ، لذا لا بد من الوقوف أمام امتلاكه السلاح النووي. وكما قال الجنرال "روميو دالير": "يساوي المراسل الصحافي كتيبة على الأرض"، فالصورة والانفعال يتفوقان على التحليل، ومن غير الممكن تقنيًّا ذكر أزمتين خطيرتين في النشرة الإخبارية ذاتها، وعليه فإن "العدو الإعلامي" هو من تختار وسائل الإعلام تقديمه في برامجها وفي نشرات أخبارها اليومية والأسبوعية، فنسمع عما يجري في "بورما"، لكن ليس لدينا صور كافية تصف الحدث، لذا من الصعب أن نهتم بالأحداث طويلًا. وعندما رَوَت فتاة تذرف الدموع قصةً خلال جلسة مباشرة لمجلس الشيوخ الأمريكي عن نهب فرق من الجيش العراقي عام 1991م لحاضنات في المستشفيات الكويتية خلال اجتياح العراق للكويت، أثارت المشاهدين الأمريكيين وأقنعتهم بدناءة صدام حسين، وصحة قضيتهم، واكتُـشِفَ في ما بعد كذب هذه القصة وأن الفتاة هي ابنة السفير الكويتي في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي المقابل لم يُحشد الرأي العام الأمريكي رغم قتل مئات الآلاف من العراقيين نتيجة الحصار الأمريكي لها، بسبب نقص الصور، إذًا هو التلاعب الإعلامي، فالمسألة برمتها مسألة تأطير للصور وإن نسينا التحليل.