مقدمة إلى المرونة العصبية ربما سمعنا جميعًا عن مصطلح "إعادة تهيئة الدماغ" وإمكانية الإنسان برمجةَ عقله لتلقي قدر أكبر من النجاح أو السعادة، وكذلك عن مناداة البعض بإعادة تهيئة الدماغ للتفكير بإيجابية وتنمية الثقة بالنفس، والمساعدة على تجنب التسويف، ولكن هل هذا الكلام صحيح؟ حتى وإن كان صحيحًا، فهذا يعني أن تغيير الإنسان لحياته يتوقف على قدرته على التغيير الواعي لتلك الكتلة من اللحم التي تزن 1,4 كيلو جرامًا داخل رأسه. ولكن لنتوقف قليلًا ونتساءل عن معنى إعادة تهيئة الدماغ، هذا المصطلح يعني بكل بساطة إمكانية حدوث تغير ما في الجهاز العصبي، فقبل خمسين عامًا كان مجرد التفكير بإمكانية الدماغ البالغ في التغير يعد نوعًا من الجنون، إذ كان الاعتقاد السائد آنذاك أن الدماغ يزداد صلابة بمرور الوقت، وقد شبهه الباحثون بالصلصال الذي يُصب في قالب ثم يتحول إلى بناء ثابت، فكذلك الدماغ ينتهي بناؤه عند مرحلة الطفولة، كما كانوا يعتقدون أننا نولد بخلايا الدماغ التي سنمتلكها طوال الحياة، وأن الدماغ غير قادر على إعادة تجديد نفسه، ومن ثم فلا يستطيع إصلاح أي إصابات قد تصيبه. ولكن كل هذه الاعتقادات كانت أبعد ما يكون عن الصواب، فالدماغ ليست لديه القدرة على التغيير فحسب، بل باستطاعته أن يتغير على مدار الحياة مستجيبًا لكل ما نمر به في الحياة من خبرات، إذ إن التكيف مع البيئة حتَّم على الأنظمة العصبية أن تطور من نفسها كي تحدد المسار الأفضل في أي موقف تتعرض له بناءً على المعرفة السابقة. والأدهش من هذا أن هذا التطور لا يقتصر على البشر فحسب، بل يشمل كل الكائنات التي تمتلك أجهزة عصبية، وكل هذا يقودنا إلى أن المرونة العصبية متأصلة في جميع الأجهزة العصبية، فقد صارت المرونة العصبية كلمة شائعة في معظم المجالات الحالية، كما أصبحت عبارة "إعادة تهيئة دماغك" أشبه بشعارات التنمية البشرية، إلا أنه ما زالت هناك مفاهيم خاطئة حول هذا المصطلح، فمثلًا يعتقد البعض أن للمرونة العصبية قدرة على الشفاء، كما يدعي البعض أنهم يستطيعون تعزيزها ببعض المنتجات ولكن أغلب هذه الأفكار ليس لها أساس علمي.