كيف نكشف الدجل؟ من الطبيعة البشرية أن الإنسان يُحب أن يفترض في العالم نظامًا ويطابق الأشياء بعضها ببعض، ورغم عدم تشابه أشياء كثيرة في الطبيعة فإن العقل البشري يخترع لها أشباهًا لا وجود لها، إذ إن لدينا استعدادًا لأن نرى نظامًا ونمطًا في العالم ونضيق ذرعًا إذا وجدنا عشوائية، فطبيعتنا البشرية تمقت انعدام التنبؤ وغياب المعنى، فنحن نرى نظامًا حيث لا نظام. فالناس مثلًا يرنون إلى شتات الأجرام السماوية فيرون وجهًا على سطح القمر، ويدعون أنهم يسمعون رسائل شيطانية في موجات الضوضاء المشوشة، وآخرون يدعون بأن ابنهم المريض شُفي في هذه العيادة بسبب خطوط خشبية على باب غرفة الطبيب تشبه وجه المسيح، إلى آخرها من ادعاءات لو نظرنا وتحققنا منها لوجدناها محض خيال من الناس. وهذا النزوع إلى إضفاء النظام على المثيرات الملتبسة هو شيء مبني على الآلية المعرفية التي نستخدمها لفهم العالم والأحداث من حولنا، نعم قد يفيدنا الميل إلى التماس نظام وتبين أنماط، وخصوصًا إذا أخضعنا حدسنا الذي يتولد عن ذلك لاختبار أكثر صرامة، كما فعل كثير من العلماء مثل: "إجنَز سيميلويس | Ignaz Semmelweis" و"تشارلز داروين | Charles Darwin". ولكن كيف يمكن مواجهة هذه الاعتقادات المُريبة؟ حين ننظر إلى السؤال عما يجب أن نفعله لكي نحسن من استدلالات الحياة ونتخلص من الاعتقادات الخاطئة، فمن الضروري أن نشير إلى استراتيجية التعويض، فعلى سبيل المثال، من الممكن علاج سبب العدوى لدى المريض بأن نعطي له مضادات حيوية إذا تعذر علينا استئصال مصدر المشكلة من الأساس، كما يمكننا علاج قِصر النظر بوصف عدسات مُصححة، وذلك لأن محو أسباب الاستدلال الخاطئ والاعتقدات المغلوطة أمر متعذر وغاية لا تدرك، فالناس ستظل دائمًا تفضل الأبيض والأسود على ظلال الرمادي، وستبقى تُضفي ترابطًا بين الأشياء العشوائية، فذاك شيء مُبيَّت في تكوينهم ومتأصل في آليتهم المعرفية، فالأسباب التحتية للاعتقادات المغلوطة لن تزول بسهولة وبساطة، ويتعين علينا حدها بعادات ذهنية تعويضية تُعزز استخدام أَصوب للعقل.