المُختبر الأكبر ساعة ذكيَّة من إنتاج شركة Apple ترصد إجهادك النفسي وعدد خطواتك، استبيانات مُتكرِّرة على التطبيقات المُختلفة لتُسجل حالتك النفسية، كاميرا في كل الأرجاء لتعقب الابتسامات على وجوه الزائرين، لا ليست أشياء غرضها الأوَّل أنت، إنها أدوات ضمن المشروع الأكبر لتحليل الخصائص النفسية للجماهير، وكأن البشر فئران بيضاء تُستثار بحثًا عن استجابة.كل تلك التطورات قرَّبت المعرفة بالعقل الفردي، وكيف يتخذ الفرد القرار، ولماذا يشتري الناس ما يشترونه، وكأن المُجتمع مُصمَّم ومحكوم كمختبر فسيح نعيش فيه طوال حياتنا اليومية، للدرجة التي يستطيع الخُبراء المؤهلون الحديث عن حالتك الذاتية أكثر منك شخصيًّا، وكأن المسائل الذاتية لم تعد ذاتية! إنها خوارزميات تتشكَّل لتُشبهنا تمامًا، ثم تُمرِّر الأدوات التي تُخفِّف الحُزن، أو تزيد من مُعدَّل السعادة الرأسمالية، السعادة التي لم تعد حالة يمر بها العقل أو الوعي، بل هي حالة فيزيائية بيولوجية، تمامًا كما قال بنتام في فلسفته.ولكننا أمام كل ذلك لدينا سؤال فلسفي جديد، ما معنى السعادة؟ إن نموذج الزراعة يُمكننا من خلاله فهم الطبيعة الإنسانية بعيدًا عن النمط الرأسمالي، وذلك لأن خشونة الحياة الزراعية وشدَّتها جُزء من قيمتها، قد يفشل المحصول بسبب سوء الطقس، لكن يظل الضحك والمُضي لمحاولة أُخرى هو الاستجابة الوحيدة، فلا يوجد مجد فردي، أو تنافس مع آخر.وبالفعل هناك عدد من المزارع العلاجية "Care Farm" والتي يستطيع فيها المتطوِّعون العمل نصف يوم كل أسبوع، وذلك لأن المزرعة بيئة تحيط بها قيم معاكسة لقيم الرأسمالية، وبالتالي يتلمَّس المتطوِّعون فيها كرامتهم الذاتية.