العدو القريب والعدو البعيد تُعد مسألة النزاع الحدودي أكثر الحالات تعبيرًا عن العدو القريب، وقد أنتجت نزاعات ثنائية في مختلف أنحاء العالم، ومنها نزاع الهند مع باكستان، والهند مع الصين، واليونان مع تركيا، والجزائر مع المغرب، والعراق مع إيران، واليابان مع روسيا، والقائمة لا تنتهي، فمن بين 252 ألف كيلومتر من الحدود التي تقسم كوكب الأرض، نجد أن 2% فقط كانت نتيجة استفتاءات شعبية، بينما الـ98% الأخرى شكلتها الحروب، والمتورط في ذلك كله القومية التي تتخذ شكلًا عقائديًّا، إذ ترفع التواريخ والأماكن إلى مرتبة القداسة، وفي هذا الإطار يصبح العدو متجذرًا في الماضي ويشكل عنصرًا من عناصر الهوية، فعلى سبيل المثال، يُفرِط السياسيون اليونانيون في استخدام الفزاعة التركية للحصول على المصداقية في السياسة الداخلية، والذين يأججون النزاعات هم العسكريون ورجال السياسة الذين يفتقرون إلى الشرعية ويسعون إلى الحصول عليها بافتعال النزاعات تحت مسمى الدفاع عن المصالح العليا للبلد. ويُعد الشرق الأوسط مثالًا حيًّا للحدود التي رسمها الغربيون بواسطة اتفاقات سايكس بيكو، وقد فشلت جميع المشاريع التي هدفت إلى الوحدة العربية مثل التي أطلقها الرئيس جمال عبد الناصر والعقيد معمر القذافي، ولا يزال الحلم العربي بوحدة البلدان العربية قائمًا، لكن بعد هزيمة الدول العربية في عام 1967م، نددت الحركات الإسلامية بمشاريع الوحدة العربية، وبدلًا من ذلك نادت بالوحدة الإسلامية على أساس ديني، لكن يغيب عن هذه البلدان التجانس الاجتماعي والعرقي والديني، وتكثر النزاعات الحدودية وتستغلها السلطات القائمة على نحو واسع، فعلى سبيل المثال توجد صراعات دينية بين السنة والشيعة في كل من باكستان والعراق ولبنان، ويوجد صراع بين الجزائر والمغرب حول الصحراء الغربية، وصراعات عرقية تتمثل في الأكراد، ووفق ذلك كله تعاني المنطقة من المشاريع الإمبريالية التوسعية مثل المشروع الأمريكي للشرق الأوسط الكبير، الذي يراد منه حل مشكلات الشرق الأوسط، ومشروع إسرائيل الكبرى الذي يقوم على أساس ديني وعنصري، ويرتكز على الاستعمار القسري للأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل عام 1967م. وفي سياق متصل يفكر المتنافسون الراغبون في السيطرة على الكوكب، مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين، وفقًا لأيديولوجية إمبريالية تبرر وضعها القوي ورؤيتها الشمولية لطموحاتها التي تؤدي إلى اقتسام العالم والحروب بالوكالة والنزاعات العالمية، ويحمل كل خصم رسالة حضارية ينقلها الساسة والمثقفون والفنانون الذين يتباهون بتفوق نظام قيمهم، ومن ثم يأتي كل تدخل من أجل إنقاذ الديمقراطية مثلما تفعل الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، وبشكل متسارع يأخذ التنافس العالمي بعدًا عسكريًّا من خلال السباق نحو التسلح.