الثقافة في زمن الحداثة الصلبة النخبة المثقفة هي الصفوة المختارة المتغنِّية بالقيم العالية، والباحثة في الأشياء عن معاني الجمال باعتبارها من تقرِّر ماهيته وتحدِّد أماكن البحث عنه، وقبل قرن من الزمان، قال أوسكار وايلد: "إنَّ من يجدون معاني جميلة في أشياء جميلة هم المثقفون"، وفي الوقت نفسه تمقت ما هو شائع وسوقي؛ فالمثقفون هم أصحاب الذوق الرفيع الذين يحتقرون ذوق الإنسان العادي عدو الفن والجمال، والثقافة باعتبارها مجموعة من الاختيارات المرغوبة والمفترضة بناءً على صحتها أو جمالها تُعدُّ القوة المحافظة على النسق الاجتماعي والفوارق بين الطبقات العليا والمتوسطة والدنيا، فكلُّ طبقة تلتزم بأنماط السلوك والتفكير التي تمثِّل هُويتها. هكذا كان يُنظر إلى مفهوم الثقافة في عصر الحداثة الصلبة التي ارتبطت بشعاع التنوير الذي تجشَّم عناء بناء الدولة الحديثة، وأسند هذه المهمة إلى فئة المتعلمين العارفين، بوصفهم الفئة الراقية والذات الفاعلة لنشر الفكر والتنوير والمعرفة في كل مكان، وتهذيب العامة وتحريرهم من الخرافة والجهل اللذين يعوِّقان عملية التطوير والتقدم، فكانت الثقافة الصُلبة عاملًا للتغيير وليس أداة للحفاظ على الوضع القائم؛ وكأنها اتفاق من طرف واحد (تمثِّله الطبقة المتنورة أو المفترض أنها متنورة) لامتلاك الأحقية لبناء النظام الجديد. وسرعان ما واجهت الدولة الحديثة -نتيجة للفائض البشري- حاجتها إلى البحث عن أرض جديدة لاستيعاب هذا الفائض، فأضاف الاستعمار الحديث لرسالة التنوير بعدًا جديدًا ونقلها من المحلية إلى العالمية؛ فسار الرجل الأبيض حاملًا دينه الجديد ليخلِّص العالم البربري المتخلِّف من جهله وهمجيَّته، وليصل به إلى رتبة الكمال التي وصل إليها العالَم المتقدم! وعلى تلك الشعوب أن تعينه، ولكنها إنْ حاولت المقاومة تُقهر!