التحيزات المعرفية إن الصراخ والتنمر والسخرية التي تُغلَّف باسم النصيحة أو مصلحة الطرف الآخر عادةً ما تكون عنوانًا لتحيُّز داخلي، وهنا تختفي الموضوعية وقيم الحق والنصيحة والطيبة، وتبرز على السطح خصال ذميمة مثل الانتصار للنفس، وحب الظهور، والدفاع عن أفكار سخيفة خطأ لا يُصدقها عقل. تدور فكرة التحيز العامة حول تبني وجهة نظر معينة ومن ثم رفض الآراء الأخرى المخالفة لها، وللتحيز ثلاثة جوانب رئيسة: جانب معرفي يقوم على أساس الاقتناع بفكرة ما بغض النظر عن كونها صحيحة أم خطأ، والجانب الثاني وجداني، وهي متلازمة انفعالية تتحمس للفكرة المُتحيَّز لها ومن ثم تحاول الانتصار لها بالسبل كلها، والجانب الثالث والأخير سلوكي عملي، أي يُترجم الفكر إلى سلوك على أرض الواقع لكنه لا يخلو من اندفاع. إن ما سبق صورة جلية لما يحدث بيننا هذه الأيام، فإبداء الرأي أو التعليق على قول أو فعل شخص آخر كلها أشياء جميلة إذا كانت نابعة فعلًا من رغبة حقيقية في الإفادة وغير واقعة تحت رحمة تحيز ما، ومن ثم تظهر على هيئة تنمر وسخرية وسبّ من دون التفكير لحظة في كونها قد أخطَأت. هؤلاء يظنون أنهم أوتوا العلم كله وأغلقوا الباب بعد تكوين وجهة نظرهم، وبعضهم من المتعلمين المثقفين، وهؤلاء يدافعون عن تحيزاتهم غير المنطقية وغير المعقولة بحجج منطقية ما يجعلها أصعب في التفنيد. والغريب أن مُعظم المعتدين بآرائهم بهذا الشكل، لا يعتمدون على معلومات موثقة أو علم أو خبرة حياتية تؤهلهم لهذه النصائح، بل يستقون المعلومات من شبكة الإنترنت والمقالات المشبوهة والمعلومات المغلوطة المنتشرة من أجل "الترِند"، خصوصًا أن الإنترنت أصبح آلية لتعبئة وتغليف أمور مُلفقة تمامًا بوصفها أدلة تاريخية وأبحاثًا، وكل هذا ستنتج عنه هذه المعادلة المخيفة: جهل عميق + شعور متغلغل بالأفضلية والعلم + استحقار للآخر ونظرة دونية لتصرفاته وأفعاله وأقواله وشكله وعاداته وما يرتديه + فهم خطأ لفضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر + لسان سليط= كراهية وحقد ونفور بين الناس.