آفات العصر الحالي من آفات العصر الحالي الموجودة بوضوح على منصات التواصل الاجتماعي ادعاءُ العمق، من الطبيعي أن يكون لكل منا وجهة نظر ما بناءً على تجاربنا وأفكارنا وقراءاتنا، ولهذا نجد دائمًا تحليلات مختلفة للوحة الواحدة أو الفيلم أو القصيدة، وعلينا جميعًا التحلّي بالتواضع والصبر واستيعاب الاختلاف والتخلي عن صورة من يعرف كل شيء، لكن بعض الأفراد يحبون أن يظهروا في صورة المُفكر الذي لا تشغله تفاهات البقية، ويهاجمون أي صورة لشخص سعيد لأنه تافه وهم فقط العميقون، في حين أن الضحكة سلاحُنا الأزلي وقد يحمل هذا الضاحك أثقال الدنيا على كاهله، ويحاول بالدعابة أو المزاح أن يتخلص من أعبائه وأحزانه. يقول العَقَّاد في كتابه "جحا الضاحك المضحك": "إن النكتة المصرية تزيد على غيرها بطابع خاص وهو الجمع بين التنفيس عن الحرج ووصف الحاكمين بالغفلة والبلاهة، وسبب هذا الفارق يرجع إلى الظروف الاجتماعية، فالفكاهة المصرية جزء من الذات ولا يحق لأي مُدَّعٍ للعمق والعلم أن يتدخل ويسفه منها، خصوصًا أن رأيه لم يُطلب وهذا يُحيلنا إلى شهوة "الفَتْي" المنتشرة للغاية". أصبح "الفَتْي" صفةً سائدة في مجتمعاتنا في الفترة الأخيرة ولا يوجد سبب واحد لذلك، فربما يكون السبب انتشار منصات التواصل الاجتماعي، أو لأننا -الشعوبَ العربيةَ- نحب الدردشة وأحيانًا لا يكون أمامنا سوى الكلام، لكن أيًّا كان السبب تبقى النتيجة واحدة، وهي أننا أصبحنا ندس أنوفنا في كل شيء، وكل خبر سياسي أو اقتصادي أو كروي يظهر على الساحة تعقبه آلاف التعليقات والتحليلات والاستنتاجات من مُدَّعِي الخبرة، ونتيجة لهذا لم يعد خط سيرنا طبيعيًّا في حياتنا لأننا مُراقَبون طوال الوقت من أشخاص ينتظرون أي فعل منا للتعليق عليه، واتهامنا بالجهل والتخلف، فأصبحنا نسير كالروبوتات التي تتبع خطًّا يرسمه لنا الآخرون الذين لا يفعلون شيئًا مفيدًا في حياتهم، ولملء هذا الفراغ يتدخلون في حيوات الآخرين، وإذا ضبطت نفسك وأنت تتدخل في حيوات من حولك، فكن واثقًا أن هذا بسبب فشلك الشخصي، وفراغك المتسع، وعدم رغبتك في إنجاز أي شيء لك أو لمجتمعك.