هل تغير ملمس فنجان قهوتي؟ في اللحظة التي تستمع فيها إلى هذه الكلمات أو تقرؤها، ربما لامست يدك فنجان قهوتك، وعلى الرغم من بديهية هذا الفعل، فهل تساءلت من قبل كيف يمكنك توقع ملمس الأشياء قبل لمسها؟ دعني أوضح لك أن القشرة المخية ليست نظام إدخال وإخراج فقط، بل هي نظام توقع، إذ إنها تتعلم نموذجًا عن العالم وتتوقع بناءً لهذا النموذج، والتوقع هو خاصية محورية في عملية التعلم، فعندما نولد تتشكل قشرتنا المخية لتسمع وتتعلم اللغات المختلفة، وتحدث عملية التعلم من خلال ملاحظة كيفية تغير مدخلات العالم من حولنا بمرور الوقت، ويطلق على هذه العملية مصطلح التعلم الحسي الحركي، ولعل قطعة الأحجية الأهم الآن هي: كيف تتمكن القشرة المخية من التوقع والملاحظة؟ لحل هذه الأحجية علينا النظر عن قرب إلى العصبونات، وهي خلايا الدماغ التي تتميز عن غيرها من خلايا الجسم بوجود اتصالات عديدة بين بعضها وبعض من خلال التشعبات العصبية، وهو ما يدلنا على حقيقة أن الأفكار والتجارب هي نتيجة تنشيط هذه الخلايا، وأن ما نتعلمه يخزن في الوصلات بينها، وما ننساه يكون نتيجة لضعف هذه الوصلات، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة كما يبدو، فعملية تمييز الأنماط معقدة، إذ تخلق الخلايا العصبية العديد من التوقعات، وتستثار الخلايا التي وضعت توقعًا قريبًا لنتائج التجربة الفعلية، كما اكتشف العلماء حديثًا أن للدماغ إطارًا مرجعيًّا يساعده على معرفة الخصائص المميزة لكل ما نلمسه ونراه، مما يعني أن الدماغ لا يقوم بتوقع واحد فقط، بل يقوم بالعشرات أو حتى المئات من التوقعات في الوقت نفسه، وكل منها مرتبط بحاسة مختلفة وتجربة مختلفة.